شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خالد خشفة

محلّل وباحث سياسي

لم يعد مقنعاً اختزال أزمة لبنان بالسلاح وحده، ولا تسويق خطاب سيادي فارغ يتجاهل حقيقة أكثر خطورة: جزء أساسي من الطبقة السياسية مارس الفساد كخيار تأسيسي لا كخطأ عابر.

فهذه ليست دولة أُضعفت فقط بالقوة، بل دولة فُكّكت عمداً بالرشوة وشراء المواقع والارتهان الطوعي.

قضية الشخص الذي انتحل صفة رسمية خارجية، وما كُشف حول استعداد سياسيين ونافذين لدفع المال والتزلف والطاعة والإذعان مقابل وعود بالمناصب أو النفوذ، ليست حادثة نصب عادية، إنها فضيحة سياسية وأخلاقية كاملة، لأنها لم تفضح شخصاً واحداً، بل فضحت طريقة تفكير وسلوكاً سياسياً متجذراً.

المشكلة ليست في وجود محتال، المشكلة في وجود من ظنّ أن الحكم يُنال بالمال لا بالناس، وبالوساطة لا بالشرعية، وبالهواتف لا بالمؤسسات.
سقوط بلا أقنعة:

أي سياسي يقبل أن يدفع مالاً ليصل، فقد سقط سياسياً قبل أن يصل.
وأي شخص يسعى إلى موقع عام عبر وسيط مجهول، فقط لأنه ادّعى صفة خارجية، لا يملك أي حق أخلاقي في الحديث عن الدولة أو السيادة.
من يدخل الحياة العامة بهذه الطريقة لا يرى في الدولة مشروعاً، بل غنيمة، ولا يرى في القانون مرجعية، بل عائقاً، ولا يرى في الناس أصحاب حق، بل أرقاماً انتخابية تُستعمل وتُرمى.

هنا يصبح الفساد السياسي جريمة وطنية موصوفة، لأنه لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق المعنى ويقضي على فكرة الدولة من أساسها.
الفساد أخطر من السلاح:
السلاح يفرض أمراً واقعاً بالقوة.
أما الفساد، فيجعل الانهيار دائماً.
السلاح يعطّل الدولة.
الفساد يجعل قيامها مستحيلاً.

وحين يتبيّن أن من يرفع شعار “مواجهة الدويلة” يمارس منطقها نفسه داخل المؤسسات، فإن لبنان يكون أمام ازدواجية قاتلة:
دويلة بالسلاح،
ودويلة بالرشوة،
وكلتاهما تُلغيان الدولة.

السيادة ليست شعاراً:
السيادة لا تُقاس بالخطب ولا بالبيانات، بل بطريقة الوصول إلى السلطة:
من يصل نظيفاً يمكن محاسبته،
ومن يصل فاسداً لا يُصلح مهما ارتفع صوته.
من يبدأ مسيرته السياسية بالفساد سيُكملها بالفساد،
من يدفع ليصل سيقبض ليحكم،
ومن يشتري الموقع سيبيع الدولة حتماً وبلا تردّد.
هذه ليست شعارات، بل قوانين ثابتة في كل الدول التي انهارت.
القضاء أو السقوط النهائي:

المعركة اليوم لم تعد سياسية فقط، بل وجودية.
إما قضاء يملك الجرأة على فتح هذا النوع من القضايا بلا انتقائية ولا حماية،
أو دولة تُدار إلى الأبد بعقلية السمسرة والحصانة والإفلات من المحاسبة.
أي بلد لا يحاسب من حوّل السياسة إلى تجارة، محكوم أن يبقى ساحة لا دولة.

لبنان لا ينهار فقط لأن هناك من يحمل سلاحاً خارج الدولة، بل لأنه مليء بمن باعوا الدولة وهم يتحدثون باسمها.
لا سيادة مع فاسدين،
لا دولة مع مشترين للمناصب،

ولا خلاص مع طبقة سياسية تعتبر الرشوة “تفصيلاً” والفضيحة “سوء تفاهم”.
الدولة لا تُبنى بهؤلاء، بل تُدفن بهم.

شاركها.