
طارق الحجيري
أثار الفيديو الذي خرج مؤخرًا من مدينة طرابلس موجة واسعة من النقاش، لما يحمله من مضامين تتناقض مع الصورة التاريخية السائدة للطائفة السنيّة في لبنان، المعروفة باعتدالها وانفتاحها وابتعادها عن التطرف، ومع ذلك، فإن خطورة هذا المشهد لا تكمن في احتمال تمثيله للشارع السني، بل في الدلالات السياسية والاجتماعية التي يمكن قراءتها من خلفه.
في هذا الإطار، لا يبدو الفيديو حدثًا معزولًا أو طارئًا، بل يمكن اعتباره مؤشرًا على فراغ سياسي وثقافي يتّسع تدريجيًا داخل البيئة السنيّة، في ظل تراجع المرجعيات التقليدية وغياب مشروع سياسي جامع قادر على التعبير عن الهواجس الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة. ويأتي هذا الفراغ في سياق إقليمي متقلّب، يساهم في إعادة إنتاج أنماط خطابية راديكالية، غالبًا ما تجد طريقها إلى البيئات المهمّشة سياسيًا واقتصاديًا.
خلال العقدين الماضيين، تمحور الخطاب السياسي السني إلى حدّ بعيد حول مواجهة محور إيران من دون أن يترافق ذلك مع بلورة رؤية سياسية متكاملة تتجاوز منطق الاصطفاف، أو مع بناء مشروع وطني عابر للمناطق والطبقات الاجتماعية. هذا الاختزال للسياسة أسهم في إضعاف القدرة على المبادرة، وكرّس خطاب ردّ الفعل على حساب الفعل السياسي المنظّم.
في المقابل، يشهد لبنان تحوّلات داخلية وإقليمية تفرض إعادة التفكير في الأدوات والسرديات السياسية المعتمدة. فالدخول في مرحلة جديدة، غالبًا ما تُوصَف بمرحلة “ما بعد الميليشيات المسلّحة”، يتطلّب مقاربة مختلفة تقوم على إنتاج خطاب سياسي واقعي، مرتبط بالتحوّلات الاجتماعية، وقادر على التفاعل مع موازين القوى المستجدة، بعيدًا عن الرهانات الإقليمية المفتوحة.
ومع اقتراب الاستحقاق النيابي، تبرز الحاجة إلى انتقال تدريجي من خطاب دفاعي إلى مقاربة سياسية أكثر فاعلية، تقوم على طرح مشروع إصلاحي نقدي يعيد تنظيم العلاقة بين الطائفة السنية والدولة، ومبادرة تستعيد بها ما سُلِب منها من مناصب ومواقع بالسلاح والاغتيال أو بالمال وشراء الذمم. وفي هذا السياق، يبدو الحوار الداخلي داخل الطائفة خطوة أساسية، تمهيدًا لحوار أوسع مع باقي المكوّنات اللبنانية، ضمن مقاربة شراكة وطنية كاملة لا إقصاء وتفرّد واستئثار.
إنّ محاولات الترويج لبعض النماذج الإقليمية، ولا سيما النموذج السوري، تطرح تساؤلات جدية حول مدى قابليتها للتطبيق في الحالة اللبنانية. فلبنان بتكوينه التعددي وتعقيداته السياسية والاجتماعية، لا يحتمل استنساخ نماذج صراعية أثبتت محدودية قدرتها على إنتاج الاستقرار، ما يجعل التعاطي معها بحاجة إلى قدر عالٍ من الواقعية السياسية.
في المحصلّة إن استمرار الفراغ السياسي داخل البيئة السنيّة من دون بلورة بدائل واضحة ومنظّمة، يفتح الباب أمام تحوّلات غير محسوبة في الخطاب والممارسة. وعليه فإن التعامل مع مثل هذه الظواهر يقتضي قراءة هادئة للسياق، والعمل على معالجة الأسباب البنيوية بدل الاكتفاء بإدانة النتائج، تفاديًا لمسارات اختبرتها دول أخرى في الإقليم، وكانت كلفتها مرتفعة على الاستقرار والمجتمع.
