شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.نبيل العتوم

لم يعد لبنان دولة تُنذر بالخطر، بل بات خطرًا مُعلنًا على الخرائط الدولية. فحين تضع وزارة الخارجية البريطانية بيروت ومحيطها، والجنوب، والشمال، والمخيّمات الفلسطينية، في خانة «المناطق عالية الخطورة» وعدم السفر اليها ، فإنها لا تصدر تحذيرًا سياحيًا عابرًا، بل تصدر حكمًا سياسيًا على بلد خرج فعليًا من نطاق الاستقرار، ودخل مرحلة الإنذار المفتوح. وقف إطلاق النار، الذي يُروَّج له محليًا كإنجاز، يبدو في نظر العواصم الغربية مجرد هدنة شكلية تُخفي تحتها استعدادًا متزايدًا لانفجار جديد.

هذا التوصيف القاتم لا ينفصل عن قناعة دولية تتكرّس يومًا بعد يوم بأن لبنان لم يعد قادرًا على ضبط مسرحه الأمني، وأن القرار السيادي فيه بات موزعًا بين قوى داخلية وساحات إقليمية. فالدولة التي تُحذّر بريطانيا من السفر إليها «إطلاقًا» في أجزاء واسعة منها، هي دولة تُدار أزماتها لا من داخل مؤسساتها، بل من خلال تفاهمات هشّة وحدود سائبة وسلاح لحزب الله خارج أي مساءلة فعلية.

في موازاة التحذير البريطاني، يأتي القلق الفرنسي أكثر وضوحًا وأقرب إلى الاتهام المباشر. باريس ترى أن حزب الله يلتف على اتفاق وقف إطلاق النار، ويختزل التزاماته بجغرافيا جنوب الليطاني، فيما ينص الاتفاق، وفق القراءة الفرنسية، على نزع سلاحه في كامل لبنان «أسود على أبيض». هذا الخلاف ليس تفصيلاً قانونيًا، بل ذريعة جاهزة لتجديد الضربات الإسرائيلية، ورسالة بأن أي غموض أو تلاعب في تفسير الاتفاق قد يُترجم سريعًا نارًا ودمارًا.

وما يزيد المشهد خطورة أن هذا التوتر لا يُدار فقط عبر القنوات الدبلوماسية، بل يُغذّى بخطاب تعبوي صريح صادر من طهران نفسها. الجدارية التي رُفعت في قلب العاصمة الإيرانية، متوعدةً بـ«هزيمة أخرى» في لبنان، ليست عملًا فنيًا معزولًا ولا رسالة دعائية بريئة، بل إعلان نوايا سياسي بلغة بصرية فظة، يضع لبنان مجددًا في خانة ساحة الاشتباك المحتملة. حين تُكتب شعارات الحرب بالعربية والعبرية في طهران، فهذا يعني أن لبنان لا يُنظر إليه كدولة، بل كجبهة مؤجلة في أجندة الحرس الثوري الايراني .

بين خرائط لندن التي تُلوّن بيروت بالأحمر، وجدران طهران التي تَعِد بالحرب، يجد لبنان نفسه محاصرًا بين خطابين لا مكان فيهما لسيادته أو لسلامه الداخلي. الغرب يتعامل معه كمنطقة غير آمنة، وإيران تتعامل معه كرصيد استراتيجي قابل للاستخدام عند الحاجة لابتزاز الغرب وفي اطار المساومات . وفي الوسط، تقف الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض روايتها أو حماية أرضها من أن تكون مسرح رسائل متبادلة بالنار أو بالتهديد.

التحركات الفرنسية ـ الأميركية ـ السعودية، والاجتماعات المتلاحقة، ومحاولات تفعيل “الميكانيزم” واليونيفيل، تبدو أقرب إلى إدارة خطر الانفجار منها إلى معالجته جذريًا. ؛ فالمشكلة لم تعد تقنية أو مرتبطة بآليات مراقبة، بل سياسية بامتياز: سلاح خارج الدولة، قرار حرب خارج المؤسسات، وبلد يُطلب منه الصمود بينما يُترك معلقًا على حافة المواجهة.

الخلاصة أن لبنان لم يعد يُنذر بالخطر، بل يُصنَّف خطرًا قائمًا. لا هدنة تمنحه أمانًا، ولا دبلوماسية تضمن تحييده، ولا شعارات نصر إقليمية تعفيه من كلفة الدمار. وبين إنذارات الخارج ووعود “الهزيمة” القادمة من طهران، يبقى السؤال الأخطر: كم حربًا إضافية يستطيع لبنان تحمّلها قبل أن تُمحى خرائطه نهائيًا، لا من نشرات السفر فقط، بل من معادلات الدول؟.

شاركها.