
طارق الحجيري
رغم كل سياسات الإهمال والنسيان التي تعانيها المناطق النائية، ينجح شبابها في فرض حضورهم رغم شحّ الإمكانات. فمن عرسال، البلدة التي اعتادت أن تُذكر في سياقات أمنية وسياسية، يخرج إنجاز رياضي جديد يُعيد رسم صورتها، ويُؤكِد أن في الهامش طاقات قادرة على المنافسة والتميّز.
فقد حقّق البطل حسن الأطرش، ممثّل نادي جسور النور لكمال الأجسام والرياضة البدنية، نتائج لافتة في بطولة الكباش التي نظمها المدرّب هادي الحاج في منطقة الدورة – Next Level. وشملت البطولة إلى جانب منافسات الكباش، تحدي “تراث جدودنا” الذي يحيي ألعاب القوة الشعبية المتمثلة برفع الجرن ورفع المحدلة، في محاولة لربط الرياضة الحديثة بالهوية التراثية.

وتمكّن الأطرش من حصد الميدالية الفضية في منافسة الكباش لليد اليسرى ضمن الوزن المفتوح، إضافة إلى فوزه بـ كأس رفع المحدلة وكأس رفع الجرن بعد تحقيقه أعلى عدد تكرارات بين جميع المشاركين، في إنجاز يعكس مستوى عالياً من الإعداد البدني والالتزام، رغم غياب الرعاية الاحترافية والدعم المؤسسي.
هذا الفوز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار تدريبي بدأ مع إنشاء النادي الرياضي في جمعية جسور النور لكمال الأجسام في عرسال عام 2016، كمبادرة أهلية تسعى إلى خلق مساحة رياضية منظّمة للشباب، في منطقة تعاني من نقص حاد في الملاعب والمرافق الرياضية.
وفي حديث لموقع “القرار الإخباري” شدّد رئيس جمعية جسور النور، بسيم الأطرش، على أنّ “الرياضة في المناطق النائية تُترك غالباً لمبادرات فردية، بينما يفترض أن تكون جزءاً من سياسة وطنية شاملة”، مضيفًا أن “إنشاء النادي جاء استجابة لحاجة حقيقية لدى الشباب، الذين يعانون من البطالة والفراغ وغياب أي بدائل صحية، في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية ضاغطة”.

وأشار إلى أنّ “فوز حسن يمثّل إنجازاً جماعياً، لا فردياً”، معتبراً أنّ “كل بطل يخرج من عرسال هو دليل على فشل مقولة التهميش، وعلى قدرة المجتمع المحلي على إنتاج نماذج إيجابية إذا توفرت له أبسط مقومات الدعم”.
ولم يُخفِ رئيس الجمعية عتبه على الجانب الرسمي، لافتاً إلى أنّ “وزارة الشباب والرياضة غائبة عملياً عن المناطق الطرفية، حيث لا برامج دعم، ولا رعاية للأندية الناشئة، ولا خطط لاكتشاف المواهب”. وقال “لا يمكن مطالبة الشباب بتحقيق إنجازات وطنية في ظل غياب الصالات المجهّزة، والمدرّبين المعتمدين، والبطولات الرسمية في الأطراف”.
وفي هذا السياق، أكّد الأطرش أنّ “جمعية جسور النور تعمل، رغم إمكاناتها المحدودة، على إرساء نهج مستدام يقوم على تنظيم أنشطة رياضية دورية، والمشاركة في البطولات، وإحياء الألعاب التراثية ذات الطابع البدني، لما تحمله من بُعد ثقافي وهويّاتي، إلى جانب بعدها الرياضي”.
ويرى متابعون محليون أن “تجربة جسور النور تشكّل نموذجاً، إذا ما حظيت بالدعم الرسمي والخاص، خصوصاً أن الاستثمار في الرياضة في المناطق النائية لا يقتصر على إنتاج أبطال، بل يساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتحصين الشباب من الانحراف، وبناء الانتماء المحلي والوطني”.
بين إنجاز فردي يتحقّق بالإرادة، ومبادرة أهلية تسدّ فراغ الدولة، يبقى السؤال مطروحاً متى تتحوّل الرياضة من جهد تطوعي إلى سياسة عامة عادلة، تشمل عرسال وسائر المناطق المهمّشة، لا أن تبقى حكراً على من يملك القرب الجغرافي من مراكز القرار؟
