شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.نبيل العتوم

لم تنتهِ حرب الأيام الاثني عشر عند وقف إطلاق النار، بل بدأت فعليًا عندما قررت طهران أن تروي ما جرى بوصفه نصرًا. خرج قادة الحرس الثوري ليطمئنوا الداخل بأن كل شيء تحت السيطرة، وأن “الردع قائم”، وأن السماء بخير. غير أن المشكلة، كما تبيّن لاحقًا، لم تكن في الخطاب، بل في الاتجاه… لأن الردع الذي يُفترض أن يواجه، قرر ببساطة أن يغيّر مساره.

فبينما كانت الشاشات الرسمية تمتلئ بعبارات الانتصار، كان الواقع يقول شيئًا آخر: سماء مفتوحة، وضربات دقيقة، ومدينة تتلقى المشهد من دون مظلة. عند هذه النقطة، لم تعد المفارقة بين الكلام والفعل قابلة للتجميل، فالدولة التي تحتفل بالردع لا تفعل ذلك عادةً وهي تنظر إلى أعلى.

ولأن الاعتراف يأتي متأخرًا دائمًا، أقرّ أحد قادة الحرس الثوري العميد محمد رضا نقدي بالأمس بأنهم أخطأوا في التقدير. لم يتوقعوا أن تُستهدف قياداتهم وعلماؤهم داخل منازلهم، مع عائلاتهم. اعتراف ثقيل، لا لأنه جديد، بل لأنه يهدم من الأساس فكرة “السيطرة الكاملة”. فالردع الذي لا يحمي غرف نوم القاده ، يصعب عليه إقناع أحد بأنه يحمي الدولة.

هنا تحديدًا بدأت الكوميديا الثقيلة، فبدل معالجة الخلل حيث يجب، اختارت طهران الاتجاه الأسهل: استعراض السلاح. معارض صاروخية في طهران والمدن الايرانية الكبرى ، نماذج لامعة، ومنصات تُعرض للجمهور، في محاولة لطمأنة الداخل بأن القوة ما زالت موجودة. المشكلة أن الصواريخ كانت معروضة، بينما السماء لم تكن كذلك. مشهد أشبه بمسرح يُضاء بالكامل، فيما السقف مفقود.

وفي ذروة هذه المفارقة، جاءت الخطوة الأكثر دلالة: نقل جزء كبير خلال هذا الأسبوع من المنظومة الصاروخية إلى الشرق الإيراني. خطوة قُدّمت بوصفها إجراءً وقائيًا، لكنها في الجوهر كانت اعترافًا غير مباشر بأن مركز البلاد لم يعد آمنًا. الردع، الذي يُفترض أن يفرض قواعد الاشتباك، وجد نفسه يبحث عن مسافة إضافية، وعن جغرافيا أبعد، لا عن مواجهة أقرب مع اسرائيل .

المفارقة هنا ليست في النقل والشحن والتمويه بحد ذاته، بل في رمزيته ؛ فعندما تغيّر الصواريخ اتجاهها، يتغيّر معها معنى الردع. لم يعد الهدف حماية القرار السياسي، بل حماية السلاح نفسه ، ولم تعد الرسالة موجهة إلى الخصم، بل إلى الداخل: “السلاح بخير… حتى لو لم تكن السماء كذلك”.

ومع انسداد الأفق السياسي، وتعثر أي مسار تفاوضي، بدت الدولة وكأنها تعالج انكشافها بمزيد من العزلة ؛ لا مفتشين، لا اتفاقات، لا تهدئة حقيقية ، فقط خطاب راديكالي مرتفع السقف، في بلد سقط سقفه الجوي منذ الضربة الأولى. وهكذا دخلت إيران مرحلة “لا حرب ولا سلام”، حيث التوتر دائم، والقلق شعبي، والردع مؤجل.

في النهاية، لا يمكن اختزال ما جرى بعد حرب الأيام الاثني عشر في عدد الصواريخ أو موسم هجرتها شرقا ؛ القصة أبسط وأكثر قسوة: دولة تمتلك ترسانة، لكنها فقدت المظلة. تنقل تهرب صواريخها شرقًا، بينما تبقى أسئلتها في الوسط. تحتفل بالردع، فيما الردع نفسه يغيّر طريقه بهدوء.
هكذا، تحوّلت معارض الصواريخ إلى مسرح وتحول الخطاب إلى طمأنة، وبقيت السماء مفتوحة بانتظار رحلة استجمام جديده للطيارين الاسرائيليين .

شاركها.