
أحمد الأيوبي
يُعرِّف الموقع الرسمي لـ”مجلس الجنوب” أنّه أُنشِأ بعد حملة ضغوط كان على رأسها الإمام موسى الصدر بلغت ذروتها بدعوته “إضراب وطني سلمي شامل لمدة يوم واحد من أجل الجنوب، بتاريخ 26/5/1970، وأنّ “مجلس النواب أقرّ مساء اليوم ذاته مشروع قانون وضع أفكاره الإمام الصدر، يقضي بإنشاء مؤسسة عامة تختص بالجنوب، مهتمها “تلبية حاجات منطقة الجنوب وتوفير أسباب السلامة والطمأنينة لها”. وصدر هذا القانون بتاريخ 2/6/1970، وسنداً له أنشأ “مجلس الجنوب” ورُبط برئاسة مجلس الوزراء.
تأمنت لهذا المجلس خُصصت لتعزيز للتعويض عن أضرار الاعتداءات الإسرائيلية وللإنفاق على مشاريع وخدمات عامة في الجنوب.
توالى على رئاسة مجلس الجنوب كل من: الشيخ موريس الجميل من 12/6/1970 ولغاية 13/10/1970، الدكتور حسن مشرفية من 13/10/1970 ولغاية 27/5/1972، الدكتور جورج سعادة من 3/ 6/1972 ولغاية 25/4/1973، الدكتور حسن الرفاعي من 8/7/1973 ولغاية 31/10/، 1974، الدكتور زكي مزبودي من 31/10/1974 ولغاية 23/5/1975، العميد الركن فوزي الخطيب من 23/5/1975 ولغاية 1/7/1975، السيد فيليب تقلا من 1/7/1975 ولغاية 15/6/1976، الرئيس عادل عسيران من 15/6/1976 ولغاية 9/12/1976.
لاحقاً، عُدِّلت المراسيم التنظيمية وأصبح وزير العمل والشؤون الاجتماعية هو رئيس مجلس الجنوب وتوالى على رئاسته كل من الوزراء: الدكتور أسعد رزق من 9/12/1976 ولغاية 16/7/1979، المحامي ناظم القادري من 16/7/1979 ولغاية 25/10/1980.
وخلال عامي 1981 و1982 صدر عدد من المراسيم التنظيمية، أعيد بموجبها تنظيم مجلس الجنوب وفقا لما يلي :يتألف مجلس الإدارة من :مجلس إدارة قوامه رئيس وعضوان جميعهم متفرغون ويسمى احد العضوين نائبا للرئيس، مع جهاز تنفيذي مؤقت، و”يعين مجلس إدارة المجلس لمدة خمس سنوات بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء”.
تولى رئاسة مجلس الجنوب منذ العام 1981 وحتى العام 2004 كل من: الدكتور حسين صبحي كنعان من 9/4/1981 ولغاية 26/1/1985، الدكتور محمد عبد الحميد بيضون من 26/ 1/1985 ولغاية 2/2/1991، الدكتور حسن علي يوسف من 2/2/1991 ولغاية 6/9/1996، الدكتور قبلان عبد المنعم قبلان من 6/9/1996 ولغاية 18/11/2021، المهندس السيد هاشم حيدر من 18/1/2023 وما يزال (بموجب المرسوم رقم 9067 تاريخ 6/9/1996).
يتكون الجهاز التنفيذي من سلك إداري وسلك فني وعدد الوظائف الملحوظة في هذين السلكين 164 وظيفة.
بين سلوك الدولة وسلوك الميليشيا
تكشف مسيرة “مجلس الجنوب” سلسلة حقائق أهمها أنّ الدولة اللبنانية عندما استجابت لمطالب الإمام الصدر لم تستجب بصورة مذهبية أو مناطقية، بدليل أنّ الذين ترؤسوا هذه المؤسسة لم يكونوا جنوبيين أو شيعة، بل تولى الرئاسة مسيحيون وسنة ومن مناطق متعدِّدة عملوا على أساس وطني ولم يرد في سِيَرِهِم أيّ خلل أو إشكال.
المسألة الثانية هي أنّ انحدار الدولة حصل خلال وبعد الحرب عندما تحوّلت المحاصصات المذهبية والطائفية إلى حالة سرطانية فتكت بجسم الدولة، والنموذج الأخطر هو “مجلس الجنوب” لأنّه يُفتَرَض أن يكون المؤسسة التي تحفظ مصالح الجنوبيين، فإذا به يتحوّل مزرعة إضافية من مزارع الرئيس نبيه بري في دولة الانهيار والخراب.
لقد احتكر الرئيس بري تمثيل الطائفة الشيعية في الدولة ردحاً طويلاً من الزمن، فتحوّل مجلس الجنوب من مؤسسة وطنية نموذجية إلى مؤسسة تابعة حصراً لنفوذ يحتكر أيضاً المصالح والإمكانات والتمويل.
ما نتحدث عنه ليس فقط شبهات الفساد والمحاصصات وغياب المساءلة والشفافية الفعالة، بل نتحدث عن مجلس إدارة أصبح خارج المواصفات القانونية كلياً. فبتاريخ تاريخ 16/8/2000 صدر قرار مجلس الوزراء رقم 2/92 القاضي بـ””التمديـد لمجلس ادارة مجلس الجنوب لغاية تعيين مجلس ادارة جديد”، أي أنّ مدة الولاية القانونية لمجلس الإدارة منتهية منذ العام 2000، ثم أصدر الرئيس نجيب ميقاتي القرار رقم 3/2023 تاريخ 18/1/2023 وقضى بـ””تكليف السيد هاشم حيدر القيام بمهام رئيس مجلس ادارة مجلس الجنوب لحين تعيين رئيس مجلس إدارة أصيل”.
وفيما نحن في نهاية العام 2025 وعلى مشارف العام 2026 لا يزال السيد حيدر يشغل منصب رئيس مجلس إدارة ومدير عام، خلافاً للقانون، من حيث الحدود الزمنية التي تسمح له بشغل منصبٍ عام، ومن حيث الصلاحية، حيث لا يجوز الجمع بين
وكما سبق أن كشفت “نداء الوطن” عن “تهريبة” جديدة حصلت في لجنة المال والموازنة في جلستها الأخيرة بطلها “الثنائي الشيعي” الذي نجح بحضور وزير المال، في الضغط على اللجنة لتحويل 90 مليون دولار من احتياطي الموازنة إلى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، لدفع جزء من مستحقات إعادة الإعمار، خلافًا لقرار الحكومة بإنشاء صندوق خاص لإعادة الإعمار، الذي يجب أن يكون بإشراف دولي وبتمويل خارجي.
وقد جاء قرار “تخريجة” نقل أموال إلى مجلس الجنوب بعد إعلان رئيس مجلس النواب في أكثر من مناسبة، أن مشروع قانون موازنة 2026 لن يمرّ من دون إدراج بند يتضمّن مبلغًا لإعادة الإعمار، الأمر الذي حظي بالرفض، كون مجلس النواب هو الذي يقرّ قانون الموزانة وليس رئيس مجلس النواب منفردًا.
السؤال هنا لا يتعلق فقط حول جواز تمرير هذه “التهريبة” من الناحية القانونية ومن الناحية التنفيذية، بل يتعلق أيضاً بعدم جواز إدارة هذا المبلغ من قبل هيكلية إدارية تعمل خارج القانون لأنّ مجلس إدارة “مجلس الجنوب” منتهي الصلاحية، ولم يقم مجلس الوزراء بتعيين مجلس شرعي وقانوني حتى الآن.
عام 2022 جرى انتخاب رئيس مجلس الجنوب قبلان قبلان نائباً، فأصبح المنصب شاغراً، فكلّف الرئيس نجيب ميقاتي السيد هاشم حيدر الذي يشغل منصب المدير العام لمجلس الجنوب بالرئاسة خلافاً للقانون ولكلّ قواعد الإدارة العامة النزيهة، فالمدير العام منصب مستقل عن رئيس مجلس الإدارة، فقد أصبح حيدر يجمع السلطتين التقريرية والتنفيذية معاً.
وفوق هذا وذاك، فإنّ السيد حيدر بلغ السنة الماضية السنّ القانونية للتقاعد، لكنّه مع ذلك يستمرّ في شغل منصبي القرار في مجلس الجنوب.
وهكذا فإنّ تهريبة الـ 90 مليون دولار سيجري صرفها من قبل مجلس إدارة منتهي الصلاحية،
هل مجلس إدارة الجنوب أهمّ من الرئاسات الدستورية؟
السؤال هنا نوجهه إلى رئيسي الجمهورية والحكومة العماد جوزاف عون والقاضي نواف سلام: هل تعلمان بهذا الواقع؟ ولماذا لا تقوم الحكومة بتعيين مجلس إدارة قانوني وشرعي لمجلس الجنوب، خاصة أنّه مؤسسة تتولى مهام حساسة ودقيقة، وهل يجوز أن يبقى بحوزة الرئيس بري منفرداً.. أم أنّ التأخير في التعيين الجديد يُراد منه إبقاء العضوين السني والمسيحي على حالهما، حتى لا يأتي عضوان جديدان لا يعلم بري كيف يمكن أن يتصرفا في ضوء التوازنات الجديدة في البلد؟
سؤال آخر: هل منصب رئيس مجلس إدارة والمدير العام أهم من منصب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، حيث للمواقع الدستورية الثلاث مواقيت زمنية لا يمكن تجاوزها وهي أعلى مواقع الدولة، بل إنّ العماد جوزاف عون لم يقبل التمديد له قائداً للجيش من دون صدور قانون يغطي ذلك التمديد.
السؤال الأهم: هل عقمت الطائفة الشيعية حتى يجري تثبيت هاشم حيدر في منصب بهذه الأهمية حتى يبقى مسيطراً لمدة 30 سنة بالتمديد غير القانوني، هذا إذا سلّمنا جدلاً بأن يكون الرئيس شيعياً، وهل يجب أن نعلن اليأس من عهد الرئيس جوزاف عون ومن حكومة الرئيس نواف بأنّه لن يحصل في هذا العهد تغيير ولا إصلاح؟ وهل علينا أن نرى لبنان “ضيعة ضايعة” عاصمتها عين التينة..؟
