
نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيرانيع
ند النظر في الأوضاع الحالية في إيران، تتضح ملامح بارزة تتمثل في القمع المفرط الذي يمارسه النظام الإيراني داخليًا، مع حذر شديد وغير مسبوق في تنفيذ نشاطاته وعملياته الإرهابية خارج الحدود الإيرانية. وهذا لا يعني إطلاقًا تخلي النظام عن الإرهاب، وإنما، بسبب أوضاعه الصعبة وعزلته الدولية والخوف من نتائج كارثية في حال انكشاف تورطه، يبدو أنه قد قام بما يمكن وصفه بـ تجميد مؤقت لنشاطاته الإرهابية.
تراجع الدور الإقليمي للنظام وتشديد الضغوط الدولية عليه، لا سيما بعد سلسلة قرارات نوعية ضده، أبرزها القرار 72 الخاص بإدانة انتهاكات حقوق الإنسان في إيران الصادر عن لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والذي اعترف بارتكاب النظام الإيراني مجزرة السجناء السياسيين في عام 1988، جعل وضع ومكانة النظام على الصعيد الدولي على المحك. وقد أجبره هذا على وقف أو تجميد نشاطاته الإرهابية مؤقتًا، في حين ركز جل اهتمامه على ممارسة القمع الداخلي، خوفًا من تداعيات أي تحرك إقليمي سلبي، وكذلك في سعيه لحيازة السلاح النووي.
ومع ذلك، عند التأمل في مسألة ممارسة النظام للإرهاب ونشاطاته المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، نجد أنها ترتبط جدليًا بالسياسة الغربية المتمثلة في الاسترضاء، التي يعمل النظام على استغلالها على صعيدين:
1. إيحاء للشعب الإيراني بأن المجتمع الدولي يعترف به رسميًا كأمر واقع.
2. استغلال أي انفتاح دولي لتعزيز تدخلاته الإقليمية والنشاطات الإرهابية، واستغلال مناطق التوتر لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
جهود النظام الحالية على الصعيد الدولي تتركز في إعادة تنشيط سياسة الاسترضاء، التي تمر الآن بمرحلة ضعف، لأنه يعلم أن بدون هذه السياسة يصعب عليه تنفيذ نشاطاته الإرهابية ونشاطاته المزعزعة للأمن والاستقرار. وهذه حقيقة فرضت نفسها بقوة، ولا يمكن تجاهلها، خصوصًا وأن الوقائع السابقة تشهد على ذلك بجلاء.
لقد أثبتت سياسة الاسترضاء والمهادنة الغربية ليس فشلها فقط، وإنما أيضًا ضررها، حيث خدم النظام الإيراني في دعم الإرهاب والنشاطات المشبوهة في المنطقة، وتقويض الأمن والاستقرار. لذلك، ليس من المستغرب أن ترتفع أصوات سياسية أوروبية مناهضة لهذه السياسة وتطالب بتغييرها.
وفي هذا السياق، تزامنًا مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، شهد مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل يوم الأربعاء 10 كانون الأول 2025، مؤتمرًا دوليًا رفيع المستوى تحت عنوان “إيران: قمع في الداخل وتصدير للإرهاب”، بحضور حشد كبير من النواب الأوروبيين، ورؤساء وزراء سابقين، وشخصيات سياسية وحقوقية بارزة. وقد سلط المؤتمر الضوء على السجل المروع للنظام الإيراني في انتهاكات حقوق الإنسان، وتصاعد وتيرة الإعدامات، وفشل سياسات المهادنة الغربية.
ولفت المؤتمر النظر إلى إجماع سياسي نادر بين مختلف التيارات الأوروبية على ضرورة تغيير الاستراتيجية تجاه طهران. وركز المتحدثون على فشل الدبلوماسية التقليدية وضرورة دعم البديل الديمقراطي. وقد افتتح المؤتمر النائب ميلان زفر، الرئيس المشارك لمجموعة أصدقاء إيران الحرة، مؤكدًا أن النظام الإيراني أصبح مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار العالمي وليس الإقليمي فقط. وقال زفر: “منذ انتخابي لأول مرة في 2009، دعمت المعارضة الإيرانية وحركة السيدة رجوي. لقد تغير الكثير، لكن وحشية النظام بقيت كما هي”. ودعا زفر أوروبا إلى التخلي عن سياسة المهادنة العبثية، مشددًا على أن الشعب الإيراني يستحق سياسة أوروبية أكثر مبدئية وجدية.
وجاء في كلمة مريم رجوي، المتحدثة الرئيسية في المؤتمر بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان:
“انتفضنا من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل الحرية والديمقراطية، ومن أجل سيادة الشعب في جمهورية تقوم على انتخابات حرة وتعددية، جمهورية تتضمن حرية التعبير، وحرية الأحزاب، وحرية التجمع، وحرية الصحافة والمجال الافتراضي. جمهورية تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وتضمن الحريات والحقوق الفردية والاجتماعية وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتؤكد المقاومة الإيرانية على إنهاء كل أشكال الرقابة والملاحقة القضائية للمسؤولين عن مجازر السجناء السياسيين، وحظر التعذيب، وإلغاء عقوبة الإعدام. نحن نطالب بوجود قضاء ونظام عدلي مستقل يستند إلى المعايير الدولية، ويضمن افتراض البراءة، وحق الدفاع، وحق التقاضي، وإلغاء القوانين اللاإنسانية لنظام ولاية الفقيه”.
