شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.نبيل العتوم 

في عرض جديد من عروض المسرح السياسي الإيراني، يطلّ مستشار المرشد الأعلى الجنرال يحيى رحيم صفوي بالأمس ليعلن بنبرة المنتصر، أن أميركا فشلت في التحكم باقتصاد المنطقة، وأن زمن العقوبات قد ولى. تصريح يصل متأخرًا قليلًا، بعد أن نسِي صاحبه أن العملة الإيرانية نفسها فقدت كل قيمتها، حتى باتت تحتاج إلى عربة متحركة أو حقيبة سفر لجرّها، لا إلى محفظة، وأن الشعب الذي يُفترض أنه يقود “التحرر الاقتصادي” أصبح يحسب ثمن الخبز بالملايين، ويقيس راتبه بعدد الأصفار لا بقيمته الحقيقية. وما بين انهيار العملة وارتفاع الأسعار، وصلت الكارثة إلى درجة لم تعد فيها الأموال وسيلة للعيش، بل مجرد رقم بلا معنى، ليأتي بعد ذلك المشهد الأكثر سوداوية، حيث تُعلّق لافتات في المدن الكبرى الايرانية يعلن فيها مواطنون استعدادهم لبيع كِلى أو أجزاء من أجسادهم في مزادات يائسة، كرمز حي للمعاناة التي تحولت من أرقام في تقارير إلى واقع يومي يُمزّق الكرامة الإنسانية، في حين تستمر الخطابات الرسمية في الحديث عن السيادة والانتصار وكأن شيئًا لم يحدث.

اللواء صفوي، الذي لم يُعرف يومًا كخبير اقتصاد بقدر ما عُرف كمنظّر نفوذ وقائد لحرس ثوري عاث خرابًا وفوضى في المنطقة، قرر فجأة أن يبدّل الزيّ؛ من عسكري إلى خبير اقتصادي ، ومن مهندس فوضى إلى بائع أحلام إقليمية. فإيران، بحسب الرواية الجديدة لصفوي التي نسردها تباعا ، لا تصدّر الفوضى بل “الشراكات”، ولا تنشر الميليشيات بل “الأسواق”، ولا تحاصر الدول بل “تنقذها” من لعنة الدولار. إنها معجزة سياسية نادرة: الأدوات ذاتها، النتائج ذاتها، لكن مع تغيير اللافتة والدعاية فقط.

الحكاية لم نتوقف هنا ، يتحدث صفوي عن 15 دولة جارة كداعم اقتصادي لايران، متناسيًا أن بعض هذه الدول تحولت، بفعل السياسات الإيرانية، إلى دروع مكسورة. العراق، جوهرة التاج في هذا المشروع، لم يصبح قوة اقتصادية حرة، بل اقتصادًا مثقوبًا تُستنزف موارده، وتُنهب خيراته ومقدراته بشكل غير مسبوق وعلى مدار الساعة ، وتُشل قراراته السيادية، ثم يُطلب منه أن يشكر “الشريك” على كهرباء لا تأتي، وغاز يُستخدم كورقة ابتزاز. أما سوريا، فهي النموذج الأكثر فجاجة: بلد دُمّر، اقتصاد أُنهك، شعب هُجّر وذبح ، ثم يُقدَّم اليوم بوقاحة سياسية على أنه مثال ناجح لـ“التحالفات الإقليمية”.

السخرية لا تتوقف هنا في تصريحات ” صفوي ” تبلغ ذروتها حين يأتي الحديث عن كسر هيمنة الدولار من دولة تعيش على الهروب منه، لا على منافسته .فإيران لا تطرح بديلًا اقتصاديًا، ولا نظامًا ماليًا موثوقًا، ولا عملة يُطمأن إليها، بل تطرح التفافًا، ومقايضة، وأسواق ظل، وكأنها تعلن رسميًا أن مشروعها ليس بناء اقتصاد، بل إدارة الانهيار وانعاش اقتصاد التهريب وتسويقه كإنجاز سيادي ضمن ما يمكن تسميته بلا تردد: عبقرية الفشل.

أما “إنقاذ ايران وفضلها في انقاذ شعوب المنطقة”، فهو الفصل الأكثر كوميدية في حديث رحيم صفوي المطول . فلبنان؛ الذي أُدخل قسرًا في وصفة الحرس الثوري، لم يتحرر من الدولار بل سقط في واحد من أعنف الانهيارات الاقتصادية والسياسية والأمنية في التاريخ الحديث، حتى بات مثالًا عالميًا للفشل المالي ودخل موسوعة غينيس كاأكبر “مكب نفايات اقليمي”…. واليمن، تحت شعار “نصرة المستضعفين”، تحوّل إلى بلد يتنافس على أرقام قياسية في الفقر والانهيار والفوضى والدمار ، وكأنه مختبر دائم لتجريب سياسات الخراب باسم المقاومة.

الحقيقة التي يحاول هذا الخطاب القفز فوقها هي أن الاقتصاد لا يُبنى بالشعارات الفارغة، ولا بالعقوبات المعكوسة، ولا بتحويل الجغرافيا إلى شبكة نفوذ أمني. الاقتصاد يحتاج إلى استقرار، وثقة، ومؤسسات، وبيئة آمنة للاستثمار، وكلها عناصر تختفي كلما حضرت إيران بثقلها السياسي والعسكري والثوري .

في النهاية، لا نحن أمام ولادة قوة تجارية ولا “بطيخ” كما يزعم صفوي ، ولا أمام ثورة اقتصادية تصنعها دولة الولي الفقيه ولا “زفت”، بل أمام محاولة يائسة لإقناع الداخل والخارج بأن العزلة خيار، والانهيار بطولة، والفشل “صفعة لواشنطن” وقوى الاستكبار.والواقع الأخر فيقول إن إيران لم تنه التحكم الأميركي بالاقتصاد، بل أثبتت أن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعوب هو أن تتحول مآسيها ومرارتها إلى مادة للسخرية البائسة في خطابات نظام لم ينجح حتى في إنقاذ بلده من نفسه… ولا من تهوّره.

شاركها.