شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.نبيل العتوم 

مع اقتراب سقوط أذرعها التقليدية في سوريا ولبنان، وعقب انهيار نظام بشار الأسد وتصفية قيادات حزب الله، ومع السعي الأميركي الحثيث لتفكيك وكلاء إيران في العراق ونزع سلاحهم، أمام هذه الحقائق والنكبات الاستراتيجية وجدت طهران نفسها أمام مشهد يجمع بين الكوميديا والمأساة: كل قوتها الميدانية تتهاوى تباعا أمامها ، ومع ذلك لم تُهزم عقليًا ؛ فبدلًا من الاستسلام، حولت إيران هذا الفشل إلى عرض مسرحي يأس ، لتظهر داعش فجأة على المشهد ، ولكن هذه المرة ليست مجرد تهديد عابر، بل كأداة وكورقة استراتيجية أخيرة في يد الحرس الثوري، وكأن طهران تقول للعالم بابتسامة ساخرة: “حتى إذا قطعت أذرعنا، فإن ورقتنا الأخيرة ما زالت موجودة”.

في هذا السياق، رغم الخطاب الرسمي الذي يروج للحرس الثوري كمحارب للإرهاب، تكشف الوقائع الاستخباراتية أن العلاقة بين إيران والتنظيمات التكفيرية وبالذات داعش كانت ولازالت قائمة على أساس المصالح الشيطانية المتبادلة. في سوريا، خلال حكم الأسد، لم يقضِ الحرس الثوري على داعش، بل سمح له بالوجود والتحرك والتسلح، ليبقى كخطر دائم يضمن استمرار نفوذ إيران. وبالتالي، بقاء التنظيم وتعظيم قدراته كان جزءًا من استراتيجية السيطرة الإيرانية، وليس مجرد فشل عشوائي، كما يتوهم البعض.

وفي العراق، أظهرت تقارير إعلامية استخبارية موثوقة تم تسريبها للاعلام وجود صفقات عبور وتأجير طرق بين الحشد الشعبي و”داعش”، مما يدل على أن إيران لم تترك التنظيم ينهار بسهولة، بل وظفته للحفاظ على نفوذها الرمزي، وإبقاء ورقة الضغط الأخيرة جاهزة للتحريك وقت الحاجة.

وبالتالي لم تكتفِ إيران بذلك، بل وظفت داعش وما زالت لتنفيذ عمليات تخريبية ضد المصالح الإقليمية والغربية، ضمن استراتيجية مزدوجة: إثبات أنها ما زالت قوة فاعلة، وابتزاز الدول من خلال خيارين: الفوضى أو العودة إلى طاولة التفاوض. هنا، يتحول التنظيم إلى أداة استخباراتية واستراتيجية، لتثبت أن إيران ما زالت تمتلك أوراق ضغط فعّالة، رغم خسارة أذرعها العسكرية التقليدية.

في قلب هذه الأزمة، داعش والتنظيمات التكفيرية المشابهة تمثل آخر أدوات إيران لإعادة إنتاج نفوذها، وإبقاء سيطرتها الرمزية في المنطقة. بهذا يبقى الحرس الثوري، و عبر هذا التحالف الخفي، قادر على تحويل الإرهاب العابر للحدود إلى ورقة استراتيجية، يحركها كيفما ومتى يشاء، مما يعيد رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.

وفي النهاية، يبدو أن إيران، بعد كل التفاخر بالميليشيات التي في طريقها الى الزوال والقوة العسكرية التي تتفاخر بها يوميا ، اكتشفت الحل الأمثل لكل أزمة: تحويل الفشل إلى ورقة ضغط، وتحويل فوضى داعش إلى “راية مزركشة” يُسمح برفعها في وجه العالم، وهي تحمل شعار الحرس الثوري. النتيجة أن كل كارثة إقليمية، مهما بدت فوضوية، تصبح عرضًا استخباراتيًا متقنًا لإثبات حقيقة واحدة: “نحن هنا، وما زلنا نتحكم في اللعبة، حتى لو شلت أذرعنا أو قطعت “.

شاركها.