شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خالد خشفة 

محلل وباحث سياسي 

لم يعد الجدل حول سلاح «حزب الله» نقاشًا سياديًا تقليديًا، بل تحوّل إلى معادلة كلفة–ثمن يُعاد رسمها إقليميًا ودوليًا. وحين نتحدّث عن «الثمن»، فنحن لا نعني المواجهة العسكرية وحدها، بل كلفة أمنية وسياسية ودستورية قد تعيد صياغة موقع لبنان في معادلته الداخلية والإقليمية. وبات واضحًا أنّ الإبقاء على هذا السلاح بشكله ووظيفته الحاليين لم يعد خيارًا بلا أثمان، وأنّ البدائل المطروحة تنحصر بين مسارين قاسيين:
▪︎ مواجهة عسكرية واسعة
▪︎ أو تعديل عميق في بنية النظام السياسي–الأمني اللبناني

من الحسم إلى التفاوض: اعتراف الدولة وحدود القوة
في هذا السياق، يكتسب موقف رئيس الجمهورية دلالة مفصلية حين قال إنّ «أي جيش لا يصل إلى حسم المعركة يتجه إلى التفاوض». هذا التصريح لا يُقرأ فقط كتشخيص عسكري، بل كإقرار بأنّ ميزان القوة لم يعد يسمح بحسم أحادي، وأنّ مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار أدخلت لبنان فعليًا في منطق التفاوض الإجباري لا الاختياري.

واشنطن تلوّح ولا تتدخل بعد:
الإشارة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول وجود «دول مستعدة للتدخل والتعامل مع حزب الله» تكشف أنّ واشنطن لا ترى الملف اللبناني معزولًا، بل جزءًا من إدارة أوسع للصراع. الامتناع الأميركي عن التدخل المباشر حاليًا لا يعني تراجعًا، بل رفعًا تدريجيًا لسقف الثمن، بانتظار لحظة يصبح فيها التدخل — المباشر أو بالوكالة — مبرّرًا.

هذا التوجّه تعزّزه مواقف ديفيد شنكر، الذي اختصر الخيارات بعبارة حاسمة: «إذا لم تنزع الدولة اللبنانية سلاح حزب الله، فإسرائيل ستفعل ذلك». هنا تنتقل المسألة من ضغط سياسي إلى تهديد أمني مباشر.

إسرائيل: الاستعداد لمرحلة ما بعد المهلة
المؤشرات الإسرائيلية تتراكم بوتيرة مقلقة. هيئة البث الإسرائيلية أعلنت استكمال خطة لنزع سلاح حزب الله، معتبرة أنّ الحكومة اللبنانية لم تفِ بالتزاماتها قبل نهاية العام. وطلب بنيامين نتنياهو تأجيل محاكمته بذريعة «مهمة أمنية طارئة» ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل إشارة سياسية–أمنية إلى أنّ قرار المواجهة بات أقرب من أي وقت مضى.

الأخطر أنّ المعطيات الإسرائيلية تشير إلى أنّ أي عدوان مقبل لن يقتصر على مخازن الصواريخ أو مقارّ الحزب، بل قد يطال البنية السياسية والأمنية اللبنانية ككل، ما يعني أنّ الثمن لن يكون عسكريًا فقط، بل مؤسساتيًا.

رفع السقف أم رفع الثمن؟ قراءة في تصعيد نعيم قاسم
في هذا المناخ، يأتي تصعيد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليطرح سؤالًا مركزيًا: هل هو تمسّك عقائدي مطلق بالسلاح؟ أم تكتيك تفاوضي لرفع الثمن؟

لغة قاسم، التي تربط بين «الأرض والسلاح والروح» وتعتبر أي مساس بها «إعدامًا للوجود»، تبدو في ظاهرها إغلاقًا كاملًا لباب النقاش، لكن التمعّن في مواقفه يكشف مفارقة لافتة:
▪︎ فهو يؤكّد رفض نزع السلاح، لكنه يعلن الاستعداد «لأقصى درجات التعاون مع الجيش».
▪︎ ويقبل بـ«أي استراتيجية دفاعية تستفيد من قوة لبنان ومقاومته معًا».

هذا التناقض الظاهري يوحي بأنّ الحزب لا يفاوض على المبدأ، بل على الثمن: ما الذي سيُعطى مقابل الصواريخ الباليستية والمسيّرات؟

المبادرة الأميركية: السلاح مقابل النظام
هنا تبرز أخطر النقاط. تسريبات عن مبادرة أميركية تقوم على تعديل في النظام اللبناني عبر إعادة توزيع مراكز حساسة (قيادة الجيش، حاكمية مصرف لبنان، نائب رئيس الجمهورية)، مقابل:
▪︎ تسليم حزب الله الصواريخ الباليستية والمسيّرات
▪︎ إعادة الإعمار
▪︎ عودة النازحين إلى الجنوب

هذه المقاربة لا تسعى فقط إلى نزع السلاح، بل إلى إعادة هندسة التوازن الداخلي، بما يحوّل السلاح من قضية أمنية إلى ورقة تفاوض دستورية.

الدولة بين الاختبار والفرصة:
مشهد دخول الجيش اللبناني إلى بلدة يانوح وتفتيش منزل مرة أخرى، بعد أن هدّده الجيش الإسرائيلي بالقصف، ما أدّى إلى تجميد الغارة، يحمل دلالة بالغة الأهمية:
▪︎ عندما تتحرّك الدولة، يتراجع منطق الحرب، ولو مؤقتًا.

هذه الحادثة، وإن بدت تقنية، تكشف أنّ استعادة الحد الأدنى من القرار السيادي ليست مستحيلة، لكنها تتطلّب قرارًا سياسيًا لا يقلّ صعوبة عن قرار الحرب.

الثمن لم يعد مؤجّلًا:
لبنان اليوم أمام لحظة فاصلة. سلاح حزب الله لم يعد ملفًا داخليًا قابلًا للإدارة بالتسويات المرحلية. الثمن يُرفع، والمهل تضيق، والخيارات تُحصر.
إمّا:
▪︎ حرب تتجاوز السلاح إلى إعادة تشكيل لبنان بالقوة،
أو:
▪︎ تسوية كبرى تفرض تعديلات عميقة في النظام مقابل نزع نوعي للسلاح.

بين هذين المسارين، يحاول حزب الله رفع سقف خطابه لتحسين شروطه، فيما تحاول الدولة التقاط الفرصة الأخيرة لإثبات حضورها.

السؤال لم يعد إن كان ثمن السلاح سيدفع، بل: من سيدفعه، وبأي صيغة، وعلى حساب أي لبنان؟

شاركها.