شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

د.نبيل العتوم

لم تكن عملية سيدني حدثاً أمنياً عادياً يمكن احتواؤه ضمن ملف جنائي أو تفسيره كحادث فردي معزول، بل تبدو، وفق المؤشرات الأولية، مرشحة لأن تتحول إلى نقطة تحوّل في نظرة أستراليا، ومعها عدد من الدول الغربية، إلى طبيعة التهديدات الخارجية التي قد تطال أمنها الداخلي. فالهجوم الذي استهدف اليهود على شاطئ بوندي لم يؤدِّ إلى توجيه اتهام مباشر وسريع لأي جهة خارجية، لكنه فتح باب الشك على مصراعيه، وطرح تساؤلات جدية حول احتمال وجود امتدادات تتجاوز الدوافع المحلية أو الفردية، مع بروز اسم إيران ووكيلها حزب الله اللبناني ضمن دائرة الاحتمال، لا بوصفهما طرفين مدانين، بل كجهات باتت خاضعة للتدقيق الاستخباري بانتظار ما ستكشفه التحقيقات.

ما بعد سيدني يتسم حتى اللحظة بالحذر لا بالاندفاع. فالأجهزة الأمنية الأسترالية تتعامل مع القضية بعقلية أمن قومي، لا كحادث أمني عابر. التصريحات الرسمية جاءت مدروسة ومحدودة، لكنها حملت إشارات واضحة إلى “ارتباطات محتملة” و”شبكات دعم غير مباشرة”، ما نقل الملف من إطار أمني داخلي ضيق إلى مساحة أوسع تُدرس فيها الفرضيات الخارجية بوصفها احتمالات قائمة لا يمكن إسقاطها مسبقاً. وفي هذا السياق، يبرز الحرس الثوري الإيراني، وطبيعة تنسيقه المعروفة مع حزب الله اللبناني، كأحد المسارات التي تخضع للفحص، ليس من باب الإدانة، بل استناداً إلى سجل طويل من الأنشطة الخارجية التي تجعل اسميهما حاضرين في أي تحقيق من هذا النوع، بما في ذلك داخل أستراليا نفسها.

التحول الأهم لا يكمن فقط في مضمون الشبهات، بل في طريقة تعامل كانبيرا معها. فحين تتعامل دولة بعيدة جغرافياً عن الشرق الأوسط مع هجوم داخلي بوصفه تهديداً للأمن القومي، فهذا يعكس قناعة بأن التهديدات الحديثة لم تعد مرتبطة بالمسافة أو الجغرافيا. قرار تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وإعادة ترتيب الوجود الدبلوماسي الإيراني في أستراليا قبل أسابيع، بما في ذلك الطلب من السفير والبعثة الدبلوماسية مغادرة البلاد، لم يأتِ على قاعدة اتهام معلن، بل ضمن منطق الوقاية المبنية على تقديرات استخبارية تتعامل مع احتمال وجود تورط خارجي في مخطط تخريبي أوسع، سبق التطرق إليه في تحليلات سابقة.

انعكاسات هذا المسار على إيران وحزب الله تبدو عميقة حتى من دون توجيه اتهام صريح حتى الآن. فمجرد وضعهما في دائرة الشك الغربية يغيّر تلقائياً طبيعة التعامل معهما. الشك هنا لا يعني الإدانة، لكنه يعني تضييق هامش الحركة، وتشديد الرقابة، ورفع مستوى الحساسية تجاه أي نشاط أو تواصل أو بنية تنظيمية مرتبطة بهما. ومع تداول معلومات عن تعاون استخباري محتمل بين أستراليا ودول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، إلى جانب انخراط إسرائيلي مباشر في تبادل المعطيات، يصبح ملف سيدني مرشحاً لأن يتحول إلى نقطة انطلاق لمراجعة أوسع لأنشطة إيرانية سابقة لم تكن تحظى بالاهتمام ذاته، وربما للتمهيد لإجراءات إسرائيلية أمنية وعسكرية تصعيدية وغير مسبوقة تجاه إيران وحزب الله.

في هذا الإطار، تكتسب التصريحات الإسرائيلية أهميتها، ليس لأنها تقدم دليلاً حاسماً، بل لأنها تضيف بعداً سياسياً وأمنياً يرفع منسوب الضغط. فعندما تتقاطع تحذيرات وروايات من أكثر من جهة، حتى مع اختلاف درجات الجزم، فإنها تساهم في بناء مناخ دولي جديد يتعامل مع إيران وحزب الله بوصفهما طرفين ارهابيين ، لا مجرد جهات تختلف معها الحكومات سياسياً. وهذا المناخ بحد ذاته يشكل عبئاً استراتيجياً متراكماً، لأنه يحدّ من هامش المناورة ويجعل أي تحرك خارجي خاضعاً للرقابة والاشتباه.

داخلياً، تدرك القيادة الإيرانية أن اتساع دائرة الشك يأتي في توقيت بالغ الحساسية. فالأزمات الاقتصادية الخانقة، والتوترات الاجتماعية، والضغوط السياسية المتراكمة تجعل أي تشدد دولي إضافي عاملاً مضاعفاً للإنهاك. والأهم أن الشك، بخلاف الاتهام، يصعب تفكيكه أو نفيه؛ لأنه لا يُواجه ببيان رسمي أو نفي سياسي، بل يحتاج إلى مسار طويل من بناء الثقة، وهو مسار يبدو شديد التعقيد في ظل المناخ الحالي.

بهذا المعنى، يمكن القول إن عملية سيدني لم تضع إيران وحزب الله في موقع المُدان حتى لحظة كتابة هذه السطور، لكنها أخرجتهما من منطقة “الحياد المريح” إلى مساحة رمادية مثقلة بالأسئلة. ومع اتساع هذه المساحة، يتراجع الافتراض القائل إن ما يجري في الغرب يمكن فصله عن صراعات الشرق الأوسط. ومن هنا، فإن الأثر الأخطر لعملية سيدني لا يكمن فقط في نتائج التحقيقات التي قد تظهر قريباً، بل في أنها ترسّخ قناعة متزايدة بأن تجاهل الاحتمالات الخارجية لم يعد خياراً، وأن إيران وحزب الله، شئنا أم أبينا، باتا جزءاً من معادلة شك تعيد رسم خرائط الأمن في دول بعيدة عن ساحات الصراع التقليدية.

شاركها.