
د.نبيل العتوم
لم تكن الحرب السورية ساحة للدمار فحسب، بل تحولت في الخفاء إلى ورشة مفتوحة لإعادة تشكيل البشر، وكان أكثر ضحاياها الأطفال الذين اختفت آثارهم بين الفوضى والانهيار. وفي قلب هذه الجريمة الممتدة تقف إيران، التي استغلت الانفلات السوري لتخطف أطفالًا ليسوا مجرد بشر صغار، بل جيلًا كاملًا حاولت طهران أن تنتزع ذاكرته وهويته وتعيد تشكيله كما تشاء، تحت غطاء “الرعاية” و“التربية الدينية”.
ما فعلته إيران لم يكن عملًا إنسانيًا ولا مبادرة رعاية، بل مشروعًا سياسيًا انتقاميا، بُني على استغلال الفوضى السورية وتحويل الأطفال إلى أدوات ولاء مستقبلية ومرتزقه لمغامراتها العدوانية . في الوقت الذي كان فيه السوريون يبحثون عن أبنائهم بين الأنقاض والمخيمات، كانت شاحنات وممرات سرية تنقل أطفالًا مختطفين نحو الداخل الإيراني ، حيث تنتظرهم مدارس مغلقة تديرها مؤسسات دينية وأمنية هدفها الحقيقي: محو الهوية السورية وزرع بديل يخدم مشروع الهيمنة الإيرانية.
شهادات معارضين إيرانيين كشفت المستور: مدارس داخلية مكتظة بأطفال سوريين جرى انتزاعهم من محيطهم، يُلقَّنون تاريخًا ليس تاريخهم، ولاءً ليس لبلدهم، وانتماءً صُنِع في مكاتب الحرس الثوري. أحدهم روى بسخرية مُرة: “هؤلاء الأطفال يظنون أن اليد التي تقدم لهم وردة اليوم، ليست نفس اليد التي ذبحت أهلهم بالأمس”. هذا ليس تدريبًا ولا تعليمًا… بل عملية إعادة تصنيع للإنسان.
لم تكن إيران وحرسها الثوري وحدها في الميدان، لكنها كانت الأكثر تنظيمًا والأكثر جرأة. الميليشيات التابعة لها، وشبكات التهريب التي يقودها حزب الله اللبناني، والفوضى التي زرعتها في مناطق نفوذها—كلها ساعدت في خلق بيئة مثالية لخطف الأطفال: أطفال بلا أوراق، بلا حماية، بلا صوت. وفي اللحظة التي انهارت فيها البنية القانونية السورية، دخلت طهران لتملأ الفراغ بطريقة لا تفهم إلا لغة النفوذ والهيمنة.
ومع سقوط النظام السابق، يحاول المسؤولون اليوم تفكيك الأرشيف الأمني الذي كشف بعض السجلات، أسماء، ملاحظات هامشية، إشارات مبهمة… لكنها مجرد قشرة لملف أعمق بكثير، لأن الحقيقة الأساسية موجودة خارج الحدود: أطفال تم اقتلاعهم من بلدهم، نُقلوا قسرًا إلى إيران، وأُعيد تشكيلهم داخل مؤسسات مغلقة لا يسمح حتى لمحقق دولي بطرق بابها.
هذه ليست جريمة حرب عابرة، بل جريمة منظمة عابرة للحدود. اختطاف دولة، لا أقل. تهجير للهوية قبل الجسد.
وهي جريمة تمس الأمن الإقليمي، الحق الإنساني، وحق الشعوب في حماية أطفالها من التحويل القسري.
والمصيبة الأكبر أن العالم صامت. منظمات دولية تعرف، تُدوّن تقارير، تصدر بيانات خجولة، لكنها لم تتحرك كما يجب. صمت المجتمع الدولي هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في تمكين إيران من إخفاء آثار جريمتها.
إن ملف الأطفال السوريين المختطفين يجب أن يُفتح الآن، وبقوة. يجب تشكيل لجنة أممية للتحقيق في مصير كل طفل نُقل إلى إيران، ومطالبة طهران بكشف السجلات، والسماح بالتفتيش الدولي على المؤسسات التي تحتجز الأطفال. يجب محاسبة كل من شارك وسهّل وغطّى، لأن ما حدث ليس مجرد مأساة إنسانية، بل اعتداء على مستقبل سوريا برمّته.
أطفال سوريا ليسوا ملكًا لإيران، ولا مادة خامًا لمشاريعها العقائدية. القذرة
وكل يوم يمرّ دون محاسبة يضيف مرحلة جديدة من الظلم على جيل قد يعود يومًا وهو لا يعرف لغته، ولا تاريخه، ولا وطنه.
هذه ليست قضية سورية فقط. إنها قضية إنسانية، سياسية، أخلاقية…
قضية يجب أن تتحول إلى رأي عام عالمي، لأن الطفولة عندما تُختطف من قبل دولة مليشيات ، يصبح الصمت مشاركة في الجريمة.
