
د.نبيل العتوم
في السياسة، نادراً ما تعلن التحوّلات الكبرى عن نفسها بصيغة قرارات رسمية أو بيانات واضحة، بل تبدأ غالباً من مكان أكثر هدوءاً وخطورة: تغيّر اللغة، وانزلاق المفردات، واتساع هامش ما كان يُعدّ محرّماً قوله. ومن هذا المدخل تحديداً بدأت تتكوّن لديّ ملاحظة لافتة، خلال مشاركتي المتكررة في برامج سياسية على قنوات فضائية، إلى جانب إعلاميين ومحللين إيرانيين يُعرف جلهم بقربهم من دوائر الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الايرانية . في تلك النقاشات، لم يكن الاختلاف في الرأي هو الأهم، بل التحوّل التدريجي في النبرة، وفي طريقة مقاربة ملف إسرائيل تحديداً، وكأن ثمة قراراً غير معلن بخفض السقف الخاص بالهجوم والانتقاد تمهيداً ربما لمسار مختلف.
يأتي هذا التحوّل في لحظة إقليمية ملتبسة، حيث تعصف شبهات “التطبيع” بالمنطقة، وخصوصاً داخل ما يُعرف بمحور المقاومة. ففي وقت كان يُنتظر فيه تصعيد الخطاب، بدأت تصدر إشارات معاكسة: تأكيد متكرر على أن إيران لا تسعى إلى تدمير إسرائيل، وإعادة تفسير الشعارات التاريخية بوصفها مواقف رمزية موجّهة ضد السياسات لا الكيانات. هذا الخطاب، الذي بات يتكرر على ألسنة محللين محسوبين على التيار الاعلامي الرسمي الايراني الذي يخاطب الخارح ، يعكس إعادة ضبط واعية للغة تمهيداً لإعادة ضبط أوسع في الخيارات.
اللافت أن هذا التبدّل لا يقتصر على تخفيف حدّة العداء، بل يتجاوز ذلك إلى فتح نقاشات كانت حتى الأمس القريب من المحرّمات. الحديث عن تسويات سياسية نهائية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يعد يُقدَّم كتنازل أيديولوجي، بل كخيار عقلاني تفرضه موازين القوى الدولية والإقليمية. وبين السطور، يتسرّب اعتراف غير مباشر بأن ما يجري خلف الكواليس أعمق بكثير مما يُقال على الهواء، وأن تهيئة الرأي العام باتت جزءاً من المعركة السياسية نفسها.
لكن من يقرأ السلوك الإيراني في سياقه التاريخي يدرك أن هذه البراغماتية ليست جديدة على قادة طهران. ففي ذروة الخطاب الثوري ورفع شعار العداء المطلق لإسرائيل، تورّطت إيران في تعاون عسكري سري معها خلال ثمانينات القرن الماضي في ما عُرف بفضيحة “إيران–غيت”. يومها، التقت المصالح بعيداً عن الأضواء، فيما كانت الشعارات النارية تُرفع في العلن. تلك الواقعة تختصر عقلية حكم تفصل بلا تردّد بين الخطاب التعبوي الذي يُستهلك داخلياً، والقرار البراغماتي الذي يُصاغ حيث تكون المصلحة.
من هنا، لا يبدو التحوّل الحالي خروجاً عن النهج بقدر ما هو استكمال له. فقضايا المنطقة لم تكن يوماً خطوطاً عقائدية غير قابلة للمس، بل أوراق ضغط ومقايضة وابتزاز . فلسطين، العراق، لبنان، سوريا، اليمن … ملفات يُعاد ترتيبها وفق ميزان الربح والخسارة. تُستخدم شعاراتها لتوسيع النفوذ، ثم يُخفَّف من حدّتها أو يُعاد تعريفها عندما تصبح كلفتها أعلى من عائدها.
تداعيات هذا المسار بدأت تنعكس عملياً على الساحات. في لبنان، كُسرت محظورات تاريخية عبر فتح باب التفاوض السياسي المباشر مع إسرائيل، بعد أن ظل لعقود محصوراً بالقنوات الأمنية والجيش . وفي العراق، ظهرت المفارقة بين قوانين صارمة تجرّم أي تواصل، وواقع سياسي يعترف ضمنياً بأن شبكة الاتصالات أوسع من أن تُضبط. هذه التناقضات لا يمكن فصلها عن المناخ الإقليمي الجديد ولا عن الدور الإيراني في إدارة الإيقاع من الخلف، دون تحمّل كلفة الإعلان الصريح.
في المحصلة، ما نشهده اليوم ليس انتقالاً مفاجئاً إلى سلام معلن، ولا تخلياً صريحاً عن الشعارات الفارغة ، بل إعادة هندسة محسوبة للخطاب بما يخدم منطق المصلحة. إيران، كما تكشف التجربة، دولة تُجيد التكيّف مع المتغيرات، وتُحسن توظيف القضايا الكبرى كأدوات تفاوض ضمن ميزان الربح والخسارة ، حتى لو كان الثمن استنزافاً طويلاً لقضايا المنطقة ودماء شعوبها. والسؤال الذي يفرض نفسه لم يعد ما إذا كانت طهران براغماتية، بل إلى أي حدّ يمكن لهذه البراغماتية أن تمضي قبل أن تتبدّد الفجوة بين الخطاب والشعارات الفارغة والجمهور الذي زيف فكره و وعيه تماماً.
