شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مارون مارون

رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في القوّات اللبنانيّة

ليس غريبًا أن يخرج علينا المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل، ليمنح نفسه دور “القيّم الدستوري” و”الناصح القانوني”، وهو الذي يرزح اسمه منذ سنوات تحت عبء ملفات ثقيلة، تبدأ بالعقوبات الأميركية المفروضة عليه بتهم الفساد، ولا تنتهي عند كونه أحد الفارين من العدالة في جريمة تفجير مرفأ بيروت، الجريمة الأكبر في تاريخ لبنان الحديث.
فمن المثير للسخرية السياسية، أن يتحدّث رجل مُعاقَب بموجب قانون ماغنيتسكي عن “احترام الدستور”، وأن ينصّب نفسه حارسًا للمهل الدستورية، فيما سجله السياسي حافل بتعطيل المؤسسات، وتكريس منطق الإفلات من المحاسبة، وحماية منظومة أوصلت الدولة إلى الإنهيار.
إن محاولة علي حسن خليل تصوير نفسه مدافعًا عن النظام الداخلي لمجلس النواب لا تُخفي الحقيقة الأساسية، وهي أن رئاسة المجلس، التي يدافع عنها، تحوّلت منذ سنوات إلى أداة مصادِرة للحياة البرلمانية، عبر التحكّم بجدول الأعمال، وتعطيل القوانين الإصلاحية، وتفسير الدستور على قياس المصالح السياسية، لا على أساس النص والروح.

أما ادّعاؤه بأن لا خرق للمهل الدستورية، فهو تكرار مملّ لنهج معروف، يتمثّل بالاختباء خلف مواد تُفَسَّر انتقائيًا، وكأن الدستور مجرّد وجهة نظر. فالمشكلة لم تكن يومًا في وجود نص قانوني نافذ من عدمه، بل في استخدام السلطة التشريعية كأداة تعطيل حين لا يناسبها المسار الديمقراطي، وتسريعها حين يخدم استمرار النفوذ نفسه.

والأكثر وقاحة في كلام خليل، اتهامه الآخرين بالتسلّط والتفرّد بالقرار، في حين أن اللبنانيين يعرفون جيدًا مَن صادر قرار المجلس، ومَن عطّل الاستحقاقات، ومَن حوّل الدولة إلى رهينة تسويات مُغلقة. إنها حالة إسقاط سياسي فاضح، يتهم غيره بما هو متجذّر في ممارسته.

لكن المفارقة الأخطر تبقى في ادّعاء الحرص على “تنشئة الأجيال على احترام القانون”، من قبل مسؤول سياسي يرفض حتى اليوم المثول أمام القضاء أسوة بسائر المواطنين، في ملف تفجير المرفأ، ويستند إلى الحصانات لحماية نفسه بدل السعي إلى كشف الحقيقة. فأي أخلاق قانونية يمكن أن تُعلَّم، وأي دولة تُبنى، فيما العدالة معطّلة بإرادة سياسية واضحة؟

ولا يكتمل مشهد “الوعظ الأخلاقي” الذي يحاول علي حسن خليل تسويقه، من دون التوقّف عند الصورة الأوسع للمنظومة التي ينتمي إليها. فالرأي العام اللبناني لا ينسى أن إسم زوجة شقيقه، قد ارتبط بملف قضائي خطير أُثير على نطاق واسع، ويتعلّق بتهريب أدوية سرطان مزوّرة وفاسدة، في واحدة من أبشع القضايا التي مسّت صحة اللبنانيين وكرامتهم الإنسانية. قضية هزّت الضمير العام، وأعادت طرح السؤال الجوهري، كيف يمكن لمَن تُحيط به هذه الملفات، عائليًا وسياسيًا، أن ينصّب نفسه مرجعًا في الأخلاق والقانون، وأن يوزّع شهادات في احترام الدستور؟ فالدولة لا تُقاس بالشعارات، بل بالفعل، ولا يُبنى احترام القانون بالكلام، فيما تُترك ملفات بحجم الإتجار بآلام المرضى في أدراج المحاسبة أو تُستثمر سياسيًا ثم تُنسى.

إن مشكلة علي حسن خليل ليست مع سمير جعجع، ولا مع حزب سياسي بعينه، بل مع فكرة الدولة نفسها، دولة القانون، دولة المحاسبة، ودولة المؤسسات. ولهذا، فإن كل خطابه “الدستوري” لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لتبييض سجل سياسي أسود، لم تنفع معه البيانات ولا السجالات.
في الخلاصة، حين يتحدّث مَن تلاحقه العقوبات والملفات القضائية عن الدستور، لا يكون ذلك دفاعًا عن القانون، بل استهزاءً بعقول اللبنانيين، وإناءً ينضح مسخرةً وإصرارًا على النهج الذي دمّر البلاد… نهج الإفلات من المحاسبة، نهج الإستقواء على القانون والبلطجة والدجل… والسلام.

شاركها.