بيروت في قلب التوازنات الإقليمية وشرق أوسط تُعيد واشنطن صياغته

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق تاريخي، حيث تتصدّع التحالفات التقليدية ويتراجع النفوذ القديم، بينما تُعاد هندسة الصراعات الإقليمية تحت ضغط الإنهاك لا الانتصارات. وفي قلب هذا التحول يقف لبنان، ليس مجرد ساحة صراع، بل محور التفاوض الدولي والخليجي والإسرائيلي، وورقة اختبار لقدرة المنطقة على إنتاج معادلة استقرار جديدة.
لبنان ساحة التوازنات ومحور التفاوض:
الملف اللبناني هو الأولوية القصوى في الحسابات الأميركية والخليجية والإسرائيلية:
– الضغوط الأميركية لنزع سلاح حزب الله تدريجياً.
– المسار التفاوضي المباشر مع إسرائيل.
– الدور السعودي في احتواء النفوذ الإيراني.
– تراجع قدرة طهران على فرض إرادتها.
ترؤس وفد التفاوض اللبناني من قبل كوادر دبلوماسية ومدنية يعكس تحولاً جوهرياً، وإدارة الملف بعيداً عن هيمنة السلاح وبأدوات تفاوضية واقعية لحماية الاستقرار الداخلي ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذه الخطوة تمثّل تطبيقاً عملياً للتوازن بين الواقعية السياسية ومصلحة الدولة.
كما أن تعزيز قدرة الجيش اللبناني عبر مؤتمرات دعم دولية يجعل الدولة اللبنانية الضامن الداخلي للاستقرار، خصوصاً قبل انتهاء ولاية قوات اليونيفيل.
سلطنة عُمان… الوسيط الحاسم لتثبيت التوازن:
زيارة الرئيس جوزف عون إلى مسقط لم تكن بروتوكولية؛ فالسلطنة تلعب دور صمام الأمان الإقليمي، ما يمنع لبنان من الانزلاق إلى الحرب، ويتيح مساراً تفاوضياً ينقل الدولة من موقع الدفاع إلى موقع القرار.
عُمان تمتلك قنوات مفتوحة مع:
– طهران
– واشنطن
– الرياض
– تل أبيب
هذا الموقع الفريد يسمح لها بتسهيل التواصل الدولي وحماية لبنان من أن يتحوّل إلى ورقة تفاوض في الملفات النووية أو الحدودية، مع إبقاء الدولة اللبنانية مركز القرار. كما يدعم دور الجيش ويضمن ثقة المجتمع الدولي بقدرته على حفظ الأمن الداخلي.
واشنطن… اللاعب الأقوى ومهندس التوازنات:
الولايات المتحدة تتحرك وفق أهداف واضحة:
▪︎ تثبيت وقف النار في غزة.
▪︎ نزع سلاح حزب الله تدريجياً.
▪︎ ضبط إيران ضمن معادلة ردع جديدة.
تصريحات السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز تؤكد أن واشنطن تسعى إلى إنهاء عصر الساحات المتعددة التي اعتمدتها إيران، وتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة قابلة للإدارة. وفي هذا الإطار، لبنان ليس مجرد طرف ثانوي، بل الميدان الرئيسي الذي تُحدد من خلاله واشنطن نجاح استراتيجيتها في المنطقة.
السعودية… ضبط التوازن واحتواء النفوذ الإيراني:
الرياض استعادت موقعها كقوة عربية مركزية. والتفاهم السعودي–الإيراني حول:
– البرنامج النووي
– الصواريخ الباليستية
– وقف دعم الفصائل في لبنان والعراق واليمن
أثبت أن الضغط الدبلوماسي الخليجي قادر على إعادة ضبط النفوذ الإيراني.
إيران… تراجع النفوذ وقيود الاستراتيجية:
تصريحات جواد ظريف في منتدى الدوحة كشفت تحولاً داخلياً في الاستراتيجية الإيرانية، وأن “الوكلاء لا يقاتلون من أجل إيران بل لمصالحهم”.
والخسارة الأعمق جاءت من سوريا، حيث تراجع النفوذ وانهارت الممرات الاستراتيجية على المتوسط.
إيران اليوم ليست في موقع الهجوم، بل في الانكماش الدفاعي، وتبحث عن تهدئة لتخفيف التكاليف الإقليمية بعد ضربات غزة التي أظهرت حدود قدرتها على التحكم بالساحات. وأصبح لدى طهران استعداد لنقل الصواريخ الدقيقة من لبنان إلى العراق، وتسليم السلاح المتوسط والثقيل للجيش اللبناني ضمن ترتيبات محسوبة.
لبنان وغزة وسوريا: ملفات مترابطة
الملف اللبناني مرتبط مباشرة بمحيطه الإقليمي:
غزة: تثبيت التهدئة ومنع انهيارها، وقطر لعبت دوراً في إبقاء الحل سياسياً بعيداً عن المقايضة الأمنية.
سوريا: سقوط النظام أعاد رسم خريطة النفوذ، وفقدت إيران موطئ قدم استراتيجياً، ما خلق فراغاً لصالح الإدارة الدولية للخريطة الإقليمية.
لبنان: يُدار ضمن سقف أميركي صارم؛ لا حرب شاملة ولا بقاء للسلاح خارج الدولة، مع حماية عُمان للتوازن.
الشرق الأوسط اليوم لا يُدار بمنطق الغلبة، بل عبر هندسة توازنات تُفرض على القوى الإقليمية أكثر مما تصنعها.
واشنطن هي اللاعب الأقوى،
وعُمان الضامن الهادئ،
والسعودية صانعة التوازن العربي،
فيما تتراجع إيران من موقع المبادرة إلى موقع الدفاع.
ما يُرسَم اليوم ليس خريطة انتصارات، بل خريطة واقعية لشرق أوسط جديد تُبنى على ضغط الإنهاك، وتؤسس لاستقرار طويل الأمد بلا منتصرين.
