شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خاص_ القرار

كان من المفترض ان يكون هناك افتتاح كبير لجناح المستشفى الحكومي في طرابلس بحضور السفير السعودي وليد البخاري والسفير الفرنسي هيرفي مارغو. 

جاء الإلغاء المفاجئ لزيارة السفيرين السعودي والفرنسي إلى المستشفى الحكومي في طرابلس ليكشف بوضوح عن مقاربة مختلفة تمامًا لدى العواصم المؤثرة تجاه المدينة، في لحظة سياسية بالغة الحساسية. فالتبرير الذي صدر تحت عنوان “سفر مستعجل” بدا، في الشكل، محاولة لتخفيف وقع القرار، لكن المضمون الحقيقي يتجاوز هذا التفسير بكثير. فالزيارة لم تكن نشاطًا عابرًا، بل محطة إنمائية وصحية كبيرة، كان من شأنها أن تُمنح طابعًا سياسيًا تلقائيًا في طرابلس، المدينة التي تتفاعل فيها الرموز بسرعة وتتحول فيها أي خطوة إلى مادة للقراءة والتأويل.

من هنا، بدا واضحًا أن الجهات الخارجية اختارت بوعي كامل تفادي أي خطوة يمكن أن تُستثمر انتخابيًا، سواء بقصد أو من دون قصد. فطرابلس مقبلة على استحقاق نيابي يتسم بغياب الثوابت واحتدام المنافسة، وأي حضور ديبلوماسي رفيع في هذه المرحلة يمكن أن يتحول إلى “إشارة إضافية” تُستخدم في الحملات أو تُستغل لخلق انطباعات غير واقعية حول حجم الدعم الدولي لهذا الطرف أو ذاك. لذلك، جاء القرار ليقطع الطريق نهائيًا أمام أي محاولة لتحويل حدث إنمائي إلى مكسب انتخابي.

وما يزيد من وضوح الصورة أنّ المناخ في المدينة، على هدوئه الظاهري، يبقى حساسًا، وفيه قابلية لأن تُفسَّر أي خطوة خارجية كتدخل مباشر في ميزان القوى المحلي. وبالتالي، فإن تجنّب الزيارة لا يعكس تراجعًا في الاهتمام، بل تشدّدًا في عدم الانزلاق إلى لعبة التوظيف السياسي التي تشهد سخونة متصاعدة كلما اقترب موعد الانتخابات. وهذا التشدد هو رسالة بحدّ ذاتها: طرابلس ليست ساحة مفتوحة للتأثير الانتخابي من الخارج، ولن يسمح لأي زيارة أن تتحول إلى أداة بيد الأطراف المحليين.

أما الاعتبارات الأمنية فكانت، بطبيعة الحال، جزءًا من المشهد. فالمدينة، رغم استقرارها النسبي، تعيش دائمًا على حافة تحولات اجتماعية واقتصادية تجعل أي حدث ذي طابع رسمي محفوفًا بهوامش خطأ غير مرغوب فيها. ومن الواضح أن الحذر الأمني كان عاملًا داعمًا في اتخاذ القرار، خصوصًا أن أي تجمع أو احتفال في طرابلس يمكن أن يتحول فجأة إلى مساحة قابلة للاستغلال أو التصعيد. وهذا ما يدركه جيدًا كل من يتابع تفاصيل الوضع في الشمال.

لم يكن إلغاء الزيارة خطوة عفوية ولا نتيجة ظرف بروتوكولي طارئ، بل قرارًا محسوبًا لحماية التحركات الدبلوماسية من الاستخدام الداخلي، ولمنع توريطها في لحظة انتخابية حساسة. والرسالة واضحة: الدعم الإنمائي مستمر، لكن خارج لعبة الاصطفافات، وخارج أي محاولة للظهور بمظهر التأثير على خيارات الناس في طرابلس. فالمدينة تحتاج إلى استقرار حقيقي، لا إلى رسائل تُستغل في موسم انتخابي قبل أن يُستكمل البناء الصحي الذي جُهّزت الزيارة من أجله أصلًا.

شاركها.