شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

طارق الحجيري

منذ اللحظة الأولى التي هتف فيها السوريون للحرية، كانت عرسال تقف هناك على الجهة الأخرى من الجبل، لكنها في قلب الحدث، تنبض بالألم ذاته، وترفع الدعاء ذاته، وتدفع الثمن ذاته. لم تنتظر البلدة النائية قرارًا دوليًا ولا حسابات سياسية محلية، استجابت لما أملاه الضمير، ففتحت بيوتها قبل حدودها، وقلوب أهلها قبل طرقاتها.

في الليالي الأولى للثورة المباركة، حين كان الصوت يُقمع والجرح يتّسع، كانت عرسال تمد يدها إلى أشقائها، تحمل معهم الخوف والرجاء، وتستقبل العابرين من نار النظام المجرم، قائلة “لسنا سوى امتداد لكم وجعكم وجعنا”. لم تسأل عن الهوية، ولا انشغلت بلغة المنطقة والمذهب، بل حملت إنسانيتها ومشت بها نحو جراح السوريين.

كبرت الثورة، واتّسعت المأساة، وتحوّل نزيف سوريا إلى سيل من الأرواح الهاربة من موتٍ يتصدّر اسمه مجرم واحد بشار السفّاح الذي فرّ الجميع من بطشه. ومع كل دفعة بشرية تعبر الجرود، كانت عرسال تتسع أكثر رغم ضيقها وتُطعم من جوعها، وتُسكن من خوفها وتُداوي بما تملك وما لا تملك.

لم يكن ذلك ترفًا ولا بطولة تختال بها البلدة، بل واجبًا شعرت به كما يشعر الأخ حين يهرع لأخيه. سنوات طوال حمل فيها أهل عرسال همّ الثورة وأمانات أهلها، صمدوا أمام الحملات السياسية والإعلامية المأجورة، وتحمّلوا اتهامات ظالمة، وأحكام المحكمة العسكرية الجائرة والمفبركة زورًا وانتقامًا وبقوا حيث اختاروا في صف المظلوم.

حين بدأ المجرم بالتهاوي والانهيار وحين صار هروبه حلمًا قريبًا على ألسنة السوريين، بقيت عرسال شاهدة على تاريخ من الوفاء بلدة نائية بحجم جبلٍ كامل من المروءة، لم تغيّرها الرياح ولا التهديدات ولا الفقر، بل ظلّت كما كانت منذ اليوم الأول قلبًا نابضًا بكرامة شعبين، يرفرف بين ضفتين ويتذكّر أن المروءة لا تعرف الحدود.
واليوم إذ يبارك أهلها حرية سوريا العربية ويتمنون لها الشفاء من كل جراحات الماضي الأسود، يتوقون إلى رؤيتها واحدة موحدة يسودها العدل والأمن والأمان، وتحتضن كافة أطياف الشعب السوري الشقيق، يطالبون الدولة اللبنانية بالشروع لإطلاق وتشريع “معبر الزمراني” لما له من فوائد اجتماعية واقتصادية وزراعية.

شاركها.