شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

أحمد الأيوبي

لا ريب أنّ التعرّض لسماحة مفتي طرابلس والشمال بالوكالة، الشيخ محمد إمام غير مقبول من وجوه كثيرة، أهمّها أنّ سماحته معروف بنصرة المظلومين وبسعيه للعدالة والإنصاف والصلح بين الناس، وهو الحَكَمُ العادل قبل وصول إلى منصب الإفتاء، وهو لم يسعَ له، بل جاء إليه بإجماع المسلمين على ورعه وتقاه وحبه للخير من دون تمييز ولا انحياز، وهو المعروف بحكمته وسعيه لأمن المدينة واستقرارها وبانفتاحه وحرصه على الشراكة الإسلامية المسيحية في البلد.

ولا شكّ أنّ هذه الصفات الحميدة التي منحها الله سبحانه لسماحة المفتي إمام هي التي دفعت أغلب الناس إلى استنكار ما تعرّض له من قبل سيدة كانت تحتجّ على سوء الأوضاع في طرابلس، وعلى حالتها الخاصة وهي التي تعيلُ وحيدة أربعة أولاد ثلاثة منهم صغار، وقد طرقت أبواب أغلب السياسيين وقصدت دار الفتوى لطلب المساعدة من دون جدوى.

الواضح أنّ هناك فهماً غير واضح لدار الفتوى في عقول الناس، فهي بنظرهم المرجعية المسؤولة عن حقوقهم وعن فقرائهم وأوضاعهم المعيشية الصعبة، وواقع الحال أنّ المسؤولية الأساس في هذا المجال تقع على يمثّلون أهل السنة في مواقع الدولة

نفاق السياسيين: دفاع عن المفتي لتسويق الذات

اللافت للانتباه أنّ مواقع سياسية مختلفة اعتبرت أنّ ما تعرّض له سماحة المفتي إمام حدثاً جللاً يستدعي الاستنكار، ولا شكّ أنّنا نرفض أيّ إساءة لسماحته، لكنّ المرفوض أيضاً أن يكون موقف هؤلاء الساسة من باب تبييض الوجوه ووضع الدفاع عن سماحة مفتي طرابلس في إطار تسويق أنفسهم وإظهار أنّهم يدافعون عن مقام الإفتاء، وهذا من أبشع الطرق لتوسّل أو تسوّل تعاطف الناس.

لو بادر السياسيون الذين يستنكرون إلى مدّ اليد للأوقاف الإسلامية وصندوق الزكاة في دار الفتوى وأخرجوا زكاة أموالهم وصدقاتهم أو أعمالهم الخيرية أو حتى إنقاقهم الانتخابي لصالح المحتاجين عن طريق صندوق الزكاة لكانوا ساهموا في حلّ جزء من مصاعب ومصائب أهل طرابلس، لكنّهم اكتفوا برمي بيانات شجب واستنكار لا تسمن ولا تغني من جوع.

واجب الأوقاف الإسلامية

لا يمكن في المقابل نفي المسؤولية الجزئية عن دار الفتوى بأوقافها وصندوق زكاتها، خاصة في ظلّ التقصير والهدر المزمن للموارد الوقفية والعجز عن الإصلاح والتطوير، وهذا أمرٌ يستدعي الوقوف عنده مطوّلاً، لأنّ أوقافنا غنية واستثمارها بالشكل الصحيح يقلب المشهد رأساً على عقب، وهنا يأتي دور سماحة المفتي الشيخ محمد إمام أن ينفض غبار العهود الغابرة عن الإدارة، ويستعين بالكفاءات الإدارية والمالية وبرجال الأعمال الناجحين ذوي السيرة الناصعة المستعدين للاستثمار مع الأوقاف ودعمها من خلال العمل المؤسساتي الشفاف الذي يضمن حقّ الأوقاف وحقّ المستثمرين.

آن لسماحة المفتي إمام أن يتجاوز العوائق التي تركها المعطِّلون، وتلك التي لا يزال يضعها بعض الساسة في طريقه، وليستعمل صلاحياته في الإصلاح والتطوير مواكبة للعصر وتفعيلاً للطاقات، ومساعدة للفقراء والمحتاجين.

لقد كان في طرابلس أوقاف للعناية بالقطط والكلاب وهذا دليل على أنّ وقف طرابلس كان قد أتمّ العناية بالإنسان ليصل اهتمامه للحيوان.

لا بُدّ من الإصلاح والتطوير

ليس من المنطق القول إنّ دار الفتوى أو الأوقاف غير معنية بشؤون الفقراء من المسلمين، فهذا مناقض لتاريخها ومسيرتها، ومن الإشكالات غير المقبولة أن تكون الأوقاف عاجزة عن توفير رواتب موظفيها والعاملين فيها، وهذه ليست مسؤولية الشيخ إمام في المراحل السابقة، لكنّها مسؤوليته في اللحظة الحاضرة ولديه الفرصة للتغيير، لأنّ الاحتضان له قائم وهناك استعداد واسع النطاق لوضع الطاقات والإمكانات في تصرفه لإدارة عملية عملية التغيير والتطوير في دار الفتوى، وتشجيعها في الأوقاف الإسلامية.

التحذير من سوء أحوال عامة المسلمين

لقد ارتكبت السيدة التي تهجّمت على سماحة الشيخ محمد إمام خطأً جسيماً، ربما لجهلها بحقيقة هذا الرجل، أو ربما يأساً منها وهي الواقفة على مسؤولية 4 أطفال وسبق أن تعرّضت للكثير من الظروف القاسية، لكنّها ليست حالة منفردة بل أصبح هذا حال شريحة كبرى من المواطنين نساءاً ورجالاً، وهذا الوضع يستدعي تحرّكاً مختلفاً يواكب خطورة الانهيار الحاصل، حتى لا تكون فتنة ويتحوّل مجتمعنا بعد فترة ليست بالبعيدة إلى حالات التناهش والصراع والتقاتل على لقمة طعام.

ولا شكّ أنّه يجب النظر إلى حال هذه السيدة بعين الرأفة والرحمة والاستيعاب وليس بأسلوب الرّجم والإدانة، مع رفضنا لما فعلته، فلم يصل فعلها إلى ما فعل الأعرابي في مسجد رسول الله، ولم يصل أمرها إلى ما أساء آخرون إليه عليه الصلاة والسلام، فكان يمنع الصحابة من التعرّض إليهم ويأخذهم باللين والمودة: فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، وما عهدنا سماحة الشيخ إمام إلاّ وقد سبقته خصال الرحمة والمحبة وإرادة الخير للناس.

البحث عن الأسباب والسعي لمعالجتها

ربما يجب أن نسأل أنفسنا عن السبب الذي دفع هذه السيدة إلى تسوّر أسوار السياسيين وانتقادهم وإلى سوء الخطاب مع سماحة المفتي إمام، ومن يعرف آلام الحاجة وذلّ السؤال وبكاء الأطفال لافتقارهم إلى الأساسيات من الحياة، ونسأل الله تعالى أن لا تضطر نساؤنا للوقوف في موقف مؤلم كهذا، ونعتقد أنّها لو وجدت تفهما واهتماماً فعلياً لما وصلت إلى ما وصلت إليه من إساءة لا يرضاها أحدٌ لنفسه..

تفعيل مرجعية دار الفتوى والشراكة مع المجتمع

مع إداتنتنا الشديدة للتعرض لشخص ومقام سماحة مفتي طرابلس، غير أنّ الواجب يقضي بتقديم النصح إليه محبة وحرصاً، وخلاصة النصيحة أن يغيّر من نظرته لواقع الحال، ويتعامل مع الأزمة بما تستحق من تقييم ومبادرات وأن يصغي إلى أصوات المتألمين ويرفع صوته فوق ظلم الظالمين ويبادر لفتح كلّ أبواب التشاور والتعاون للتطوير والإصلاح في شؤون المسلمين، والشراكة مع الطاقات الحية في المجتمع، وهذا عهدنا به، صادقاً عاملاً ومجتهداً في سبيل تحقيق الصالح العام.

شاركها.