زياد الصوفي
لم يكن عداء النظام السوري لدول الخليج يوماً نزاع سياسي عادي ولا اختلاف مصالح عابر، بل كان في عمقه الأبعد طائفية مؤجَّلة لصراع مزمن، تمّ طمسها لعقود تحت قناع “التقية السياسية”، وتزيينها كذباً بشعارات العروبة والأخوّة الجوفاء.
كان الخليج في خطاب النظام مجرد اسم جغرافي، لكن في حقيقته كان يعني شيء آخر تماماً:
السنّة، المجتمع، الازدهار الاقتصادي، والنجاح..
قبل الثورة، كان هذا العداء يُدار ببرود، بتصريحات دبلوماسية محسوبة، وإعلام محايد شكلياً, وشتائم تُقال همساً لا جهراً.
لكن ما إن اندلعت الثورة، وسقط قناع التقية، حتى خرج كل شيء دفعة واحدة، خرج الاحتقار، وخرج الحقد الطبقي، وخرج العداء الطائفي بلا مكياج، وظهرت التبعية لإيران لا كتحالف سياسي، بل كعقيدة حكم وهوية صراع.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الهجوم على الخليج هجوماً على أنظمة، بل صار في جوهره هجوم على بيئة سنّية عربية كاملة، على نموذج مجتمعي لا يشبههم، ولا يخضع لهم، ولا يدور في فلكهم.
هنا تحوّل التباهي الأسدي من أسلوب خطاب إلى آلية دفاعية، تباهي هستيري في وجه من يذكّرك بفشلك كل يوم، وأنت ترى مدناً تُبنى، واقتصاداً يزدهر، ومجتمعات تتحرّك للأمام، بينما كل ما بنيته أنت كان مقابر وسجون ونشرات تمجيد.
ومن هذه العقدة تحديداً، خرج ذلك الخطاب المتعالي الساخر من النفط، لا لأنه نفط، بل لأنه استُخدم حيث يجب أن يُستخدم، فعرّى عجز ثقافة الموت عن إنجاب أي نموذج حياة قابل للعيش.
تفاخروا بوصف أنفسهم بأنهم شعب منفتح، لا بمعنى الحرية، بل بمعنى الشذوذ الأخلاقي تحت حماية الأمن، انفتاح بلا كلفة، بلا مساءلة، بلا مجتمع، بلا حق عام، انفتاح يُدار بالتصاريح، ويُغلق بزر واحد في فرع المخابرات.
وسخروا من الخليج بأنه “مجتمع مغلق”، لأنهم لم يفهموا يوماً الفرق بين الإغلاق بالقيم، والإغلاق بالخوف.
تباهوا بالمسارح والفنون في وجه الخليج “الصحراوي”، لكنهم نسوا أنهم، طوال نصف قرن، لم يسمحوا فوق كل المسارح إلا بمسرحية واحدة:
حاكم يقف في المنتصف، وشعب يُجبر على التصفيق حتى تنزف كفّاه.
ادّعوا أن الطائفية محرّمة بالقانون، بينما كانت مزروعة في قاع الدولة، في مفاصل الجيش، وفي مفاتيح الاقتصاد، وفي خرائط الخوف التي تنظم علاقة الناس ببعضهم.
طائفية بلا شعارات، لكن بآلاف الإشارات الخفية، تقول لك بوضوح: أنت هنا ضيف دائم، وهم أصحاب البيت إلى الأبد.
زعموا أن السوري لا يحتاج كفيلاً كما في الخليج، لكنهم لم يقولوا إن الكفيل في سوريا كان غير مكتوب في العقد، ضابط،مسؤول،أو شريك من أبناء العائلة الحاكمة.
كل تجارة كانت تحتاج “بركة”، وكل مشروع يحتاج “واسطة”، وكل نجاح غير محمي كان يُصادر بصمت.
ادّعوا حرية العبادة، بينما كان المصلّي يسير إلى المسجد وكأنه يعبر حاجزاً غير مرئي، يسأل نفسه قبل كل ركعة:
هل تُحسب هذه الصلاة تقريراً؟ هل تفسَّر هذه اللحية موقفاً؟ هل تصير السجدة ملفاً أمنياً؟
ثم سخروا من الخليج، لا لأنه خليج، بل لأنه مرآة كشفت عجزهم، فسمّوه “وحلاً نفطياً”، وتناسوا أن الوحل قد يُبنى عليه وطن، أما المستنقع فلا يخرج منه إلا العفن والروائح الآسنة..
واليوم، بعد أن انكسرت المرآة التي شوّهت الوجوه، تعود سوريا إلى عمقها الطبيعي، لا كدولة مشتبَهة، ولا ككيان مشوَّه بالعداء المجاني، بل كوطن يعرف موقعه بين أهله، يعرف بوصلته، ويستعيد اسمه من بين الحطام.
عادت سوريا إلى محيطها العربي لا كعبء أمني، ولا كعدو مزروع في الخاصرة، بل كقلب كان مخطوف وأُعيد إلى مكانه.
سقط النظام الذي جعل من سوريا كابوس في ذاكرة الجميع، وعدو بلا سبب، وخراب بلا ضرورة، و بقيت الأرض التي لم تكن يوماً أرض كراهية، بل أرض طريق، وأذان، وتجارة، وقوافل، وحج، وبيوت مفتوحة للريح والجار والغريب.
عادت سوريا لتشبه قيم شعبها لا عُقد جلّاديها، و استعادت مكانتها لا بوصفها ساحة صراع، بل بوصفها جسر بين الناس، وبلد يُحب لا يُخاف منه.
هنا فقط، انتهت وظيفة الشتيمة، و سقطت حاجة التباهي، و دُفن خطاب الحقد مع أصحابه، و خرجت سوريا من المستنقع الذي دُفعت إليه قسراً، لتقف من جديد في موقعها الطبيعي:
بلداً يشبه أهله، ويصالح جيرانه، ويسترد اسمه من فم الكراهية، حين كفّت سوريا عن شتم مرآتها، و عادت أخيراً سوريا.
