شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

لم يكن لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مناسبة بروتوكولية عابرة؛ ما شهدته واشنطن كان إعادة تعريف كاملة لمعادلات الشرق الأوسط. السعودية لم تعد طرفًا عربيًا مؤثرًا فحسب، بل أصبحت القوة التي تمتلك القدرة على فرض شروطها وكسر الاحتكار الإسرائيلي لعلاقة الحليف الأوحد مع الولايات المتحدة.

منذ حرب غزة، تبدّلت ملامح الإقليم. إسرائيل خرجت مشوّهة سياسيًا وعسكريًا، ونتنياهو في أضعف مراحله، فيما واشنطن تبحث عن شريك قادر على إعادة ضبط الإيقاع الإقليمي. السعودية دخلت المشهد بثقة عالية ورفعت سقف شروطها بوضوح:
▪︎ لا تطبيع بلا دولة فلسطينية.
▪︎ لم يعد هذا الرأي موقفًا سعوديًا فحسب، بل قاعدة حاكمة لأي مشروع أميركي في المنطقة.

استقبال استثنائي… ورسالة إلى تل أبيب: زمن الاحتكار انتهى

الاستقبال الأميركي لمحمد بن سلمان لم يكن مجرد احتفاء سياسي؛ كان إعلانًا صريحًا بأن واشنطن تعيد هيكلة شراكاتها.
للمرة الأولى منذ عقود، تفقد إسرائيل ميزة الحليف الأول لصالح شريك عربي قادر على إدارة ملفات المنطقة بفاعلية أكبر.

الاتفاقات الدفاعية والعقود الاقتصادية والانفتاح الاستراتيجي… جميعها رسائل مبطّنة إلى تل أبيب.
العلاقة الأميركية – السعودية أصبحت محور التوازن الجديد، وإسرائيل لم تعد وحدها في مركز الثقل.

السعودية تُسقط الفيتو الإسرائيلي وتعيد تعريف مسار الحل

لسنوات طويلة، عملت إسرائيل على تقزيم القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف قابل للمساومة.
السعودية أطاحت بهذا النهج، ورسّخت معادلة واضحة:
▪︎ لا استقرار بلا دولة فلسطينية.
▪︎ ولا تسوية بلا اعتراف أميركي صريح بحلّ الدولتين.

هذا ليس خطابًا سياسيًا؛ إنه إعادة هندسة لمفهوم السلام الإقليمي.
وأمام هذا التحوّل، وجدت واشنطن نفسها مضطرة للمرة الأولى للتعامل مع شروط عربية تفرض نفسها بقوة.

نتنياهو خارج الحسابات… والسعودية داخل قلب التوازنات

نتنياهو لا يريد سوريا موحّدة، ولا لبنان مستقرًا، ولا تسوية فلسطينية.
مشروعه يقوم على الفوضى وضرب الأطراف ببعضها.
لكن لقاء واشنطن كشف سقوط هذه المقاربة؛ فإسرائيل خرجت من دائرة القرار، والسعودية أصبحت الطرف الذي لا يمكن تجاوزه في أي ملف، من لبنان إلى غزة إلى سوريا.

للمرة الأولى منذ عقود، تتحكّم الرياض بإيقاع التسوية الإقليمية، بينما تتراجع قدرة تل أبيب على التعطيل.

صفقة الـ F-35: اعتراف استراتيجي لا تمنحه واشنطن بسهولة

موافقة ترامب على بيع المقاتلات F-35 للسعودية ليست صفقة تسليح، بل اعتراف سياسي بأن الرياض أصبحت شريكًا يمكن الوثوق به على مستوى إدارة الإقليم.
هذه الخطوة وحدها كفيلة بإسقاط “الخط الأحمر” الذي كانت إسرائيل تعتبره جزءًا من تفوّقها العسكري المطلق.

الولايات المتحدة بين الصين وروسيا… لماذا تحتاج واشنطن السعودية اليوم؟

هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن المشهد الدولي.
الولايات المتحدة تعاني منافسة شرسة مع الصين اقتصاديًا، ومع روسيا عسكريًا وسياسيًا.
الشرق الأوسط أصبح ساحة مفتوحة لهذا الصراع؛ الصين تمدّ نفوذها عبر مشروع “الحزام والطريق”، وروسيا تتموضع عسكريًا وسياسيًا في سوريا وشبه المنطقة.

في هذا السياق، اكتشفت واشنطن أن إسرائيل وحدها لم تعد تكفي:
لا هي قادرة على ضبط أسواق الطاقة، ولا على التأثير في العمق العربي، ولا على موازنة النفوذ الصيني والروسي.

هنا تحديدًا ظهرت السعودية:
قوة اقتصادية وسياسية وديبلوماسية تمتلك القدرة على التحدّث مع الجميع من دون الارتهان لأي محور.

ترامب فهم هذه الحقيقة بذكاء؛ إذا لم تكن السعودية شريك واشنطن، فستصبح شريكًا لمنافسيها. لذلك جاء التحالف الجديد، وصفقات السلاح، والتفاهمات الاقتصادية، كجزء من عودة أميركية إلى المنطقة عبر بوابة الرياض لا تل أبيب.

السعودية وسيطًا ومرجعًا:

ملفات لبنان وسوريا وغزة تمرّ عبر الرياض

منذ فترة، أصبحت السعودية اللاعب الأكثر قدرة على جمع المتناقضات:
– ضبط الملف الفلسطيني،
– منع انفجار لبنان،
– دعم وحدة سوريا رغم الرفض الإسرائيلي،
– فرض معادلة سياسية لأمن غزة،
– الحفاظ على خطوط تواصل مفتوحة مع جميع القوى الدولية.

أي حلّ في الشرق الأوسط لم يعد ممكنًا من دون السعودية

▪︎ لبنان: بداية الانفراج تمرّ عبر المملكة
لبنان لا يمكنه النهوض اقتصاديًا دون إعادة وصل العلاقة مع السعودية.
الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الدولة اللبنانية لمنع تهريب الممنوعات شكّلت خطوة أولى لاستعادة الثقة.
وإذا استمر المسار نفسه، فقد يشهد لبنان رفعًا تدريجيًا للحظر غير المعلن على منتجاته، مع عودة تدريجية للدور السعودي في دعم استقراره.

الرياض في مركز الخريطة الجديدة

زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن لم تكن زيارة دولة؛ بل كانت إعادة رسم لخطّ الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
السعودية أصبحت القوة التي تمسك بالمفاتيح الكبرى:
– مفاتيح الحل في غزة،
– مفاتيح التسوية في لبنان،
– مفاتيح مستقبل سوريا،
– ومفتاح الحل النهائي: الدولة الفلسطينية.

والأهم:
علاقة الرياض – واشنطن أصبحت شراكة استراتيجية كاملة، لا علاقة تبعية كما كانت في النموذج القديم.

لقد انتهى زمن الاحتكار الإسرائيلي، وبدأ زمن القرار العربي من الرياض.

شاركها.