شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

ديما حسين صلح

كان لافتاً أن يطل الشيخ نعيم قاسم بخطاب بدا كأنه محاولة لإعادة تدوير أزمة لم تعد قابلة للتدوير، مستخدماً لهجة الواثق رغم أن مضمون كلامه يكشف ارتباكا لا يحتاج إلى مجهر.
بدا الرجل كما لو أنه يرفع إصبعه بوجه الدولة ليؤنبها على الفوضى، ناسياً أو متناسياً أن الفوضى ذاتها ترتدي عباءة المقاومة كلما اقتضى الأمر.

كان يتحدّث من موقع من يملك القرار، لكنه يطالب من لا يملك شيئاً بأن يتحمل التبعات،تناقضٌ لا ينتبه إليه إلا من لا يزال يصدق أن الدولة في هذا البلد تملك فعلاً قرارها.
ذكرنا الشيخ نعيم قاسم بخطابه بأن الساحة مفتوحة وأن الاختراقات نتيجة طبيعية لحرب معقدة، محمّلاً مسؤولية هذا الواقع إلى كل الجهات الأجنبية والعربية، وفي الوقت نفسه مبرراً وجود العملاء وكأنها مسألة مناخية لا سياسية.

ورغم أن هذا الطرح يفترض منه أن يطمئن جمهوره، إلا أنه بدا أقرب إلى اعتراف بأن الأمن مخروق لأن القرار الأمني نفسه موزع خارج الدولة، لا بداخلها.

فمنطق تحميل الآخرين مسؤولية ما هو في الواقع نتيجة تفكك السلطة الفعلية، يشبه إلقاء اللوم على الطقس لأنه لا يطيع رغبات المتنبئ الجوي.

وتابع الشيخ حديثه عن انسحاب يجب أن يتم وعدوان يجب أن يتوقف، وأسرى يجب أن يُفرج عنهم وكأنه وزير مفوض فوق الدولة لا ضمنها، يوزّع الأوامر على الحكومة كما يوزع المعلّق الرياضي ملاحظاته على اللاعبين.

لكنه في اللحظة نفسها يتهم الحكومة بالتقصير، مطالباً إياها بأن تكون قوة ردع،فيما السلاح والقرار الفعلي بالردع ليسا موجودين لديها أصلاً.

أرادها أن تواجه، لكنه لم يمنحها ما تواجه به،أرادها أن تدافع، بعدما صودرت منها أدوات الدفاع،أراد منها أن تُمسك زمام الأمور، بعدما نُزع الزمام من يدها أصلاً.

وبين الهجوم والاتهام، لم ينسَ قاسم تحميل الولايات المتحدة مسؤولية كل ما يجري، مستخدماً مفردة الوصاية كأنها آخر ورقة يمكن التلويح بها حين تفشل بقية الحجج. وكلما اشتد خطابه ضد واشنطن، كلما زاد وضوح المفارقة ،من يعترض على الوصاية، هو نفسه من يصادر سلطة الدولة ويحتكر قرارها،فهل الوصاية السيئة هي تلك التي تأتي من الخارج فقط، أم أيضاً تلك التي تُفرض من الداخل على مؤسسات الدولة نفسها؟

ثم انتقل إلى الحديث عن العدوان على الجيش والاقتصادفي محاولة لخلط الأوراق بحيث يصبح كل نقد موجهاً للدولة أو للحزب جزءاً من عدوان وهكذا تتسع الكلمة حتى تفقد معناها.
يصبح تراجع الاقتصاد عدواناً، والاختلاف السياسي عدوانا والسؤال عدوانا والنقاش عدوانا ومع اتساع الكلمة، يضيق الوطن.
وبعدما روّض الجمهور بجمل الإنذار والتحذير، بذل الشيخ قاسم جهداً لإظهار قدر من الانفتاح قائلاً إنه جاهز للنقاش حول السلاح لكنه يقفل الباب في اللحظة ذاتها ليس تحت الضغط، ولا بتغيير الاتفاقات، هذا الكلام ليس استعداداً للنقاش، بل إعلان موت النقاش،شروط لا تتحقق، وحوار لا يبدأ، ونتيجة واحدة ثابتة،السلاح فوق الحوار والدولة والاتفاق والواقع.

ثم جاءت أكثر لحظات الخطاب فجاجة حين وبّخ الحكومة قائلاً: (خليها تضرب إجرا بالأرض)وكأن البلد لعبة أطفال لا سلطة فيه إلا لمن يصرخ أعلى.
أراد للدولة أن تثبت وجودها، فيما هو يعترف ضمناً أن وجودها لا وزن له،أراد منها أن تردعفي الوقت الذي يحتفظ فيه هو بأسباب الردع.
وطبعا لم ينسَ الشيخ نعيم عبارته الذهبية في كل مناسبة او حين حصول اغتيال لقيادي في الحزب حق الرد محفوظ وسنحدّد توقيته جملة واحدة تكفي لهدم كل نظريته عن الدولة والوصاية والمسؤولية والردع. فإذا كانت جهة واحدة تحتكر الرد، فما الذي يبقى للدولة لتردع به؟ وكيف يُطلب منها ما هو غير موجود في يدها أصلاً؟
وبذلك يتحول خطاب قاسم بكليته إلى لوحة سياسية معكوسة،من يملك السلاح يلوم من لا يملك.

من يحتكر القرار يطالب من لا قدرة له بأن يحسم من يعطّل الدولة يتهمها بالفشل،ومن يقرر الحرب والسلم يحمّل الحكومة عبء النتائج.
هو خطاب يستعرض القوة لكنه يفضح العجز الكامل ،يصرخ دفاعاً عن السيادة لكنه يكشف ضياعها، يصوّب على الحكومة لكنه يصيب بنية الدولة نفسها.

والحقيقة البسيطة أن لبنان لا يعيش أزمة خطاب، بل أزمة من يحتكر السلاح ويطالب غيره بدفع الفاتورة.

أزمة دولة أُريدَ لها أن تكون واجهة، بينما القرار محتجز في مكان آخر،وكل خطاب يتجاوز حدود الدولة، مهما اشتدت حدّته، يبقى مجرد صدى لصوت واحد،صوت سلطة بلا شرعية، تبحث عن شرعية بلا دولة.

شاركها.