
د.نبيل العتوم
تدور اليوم الأزمة الأكبر في قلب أجهزة الاستخبارات الإيرانية، ليست مع الأعداء الخارجيين المفترضيين اللذين لطالما روج لهم نظام الجمهورية الاسلامية ، بل بين مسؤولين يفترض بهم حماية الدولة، والقتال في سبيل عدم اختراقها ، وتهديد امنها. الصراع هنا أشد فتكًا من أي غارة إسرائيلية او هجوم، حيث باتت اليوم تتنافس القيادات على الولاء والمكانة بين يدي المرشد خامنئي، وتتكاثر الاتهامات المتبادلة، حتى أصبح كل مكتب ومدير دائرة ورئيس شعبه مشبوهًا وكل قرار محفوفًا بالشكوك. الاختراقات الخارجية كشفت هشاشة النظام، لكنها لم تكن السبب الوحيد؛ بل الحقيقة الصادمة اليوم تكمن في الصراعات الداخلية التي تهدد بتفكيك المنظومة الاستخبارية نفسها.
فبعد حرب الاثني عشر يومًا، اتضح أن إيران لم تواجه تهديدًا خارجيًا فقط، بل أزمة عميقة في قلب أجهزة الأمن والاستخبارات. تصدعات كبيرة بين المسؤولين من الصف الاول كشفت هشاشة الأجهزة التي كانت تعتبر الدرع الأقوى للدولة، فيما التقارير الصحفية المسربة والتي أكدت اختراقًا إسرائيليًا واسعًا دفع النظام لإجراءات داخلية مكثفة، لكنها في الوقت نفسه زادت الصراعات وتعقدت بين الأجهزة وداخلها بدلًا من حلها.
العمق الحقيقي لهذه الأزمة يظهر بداية كنتيجة طبيعية عند النظر إلى تعدد أجهزة الاستخبارات الإيرانية. فإيران تمتلك اجهزة استخبارات موازية ستة عشر جهازا استخباريا ، كالتابعة للحرس الثوري، وزارة المخابرات، وأجهزة أخرى مرتبطة بمكتب المرشد والباسيج وقوات الأمن والسلطة القضائية … هذا التعدد كان ميزة في الماضي لأنه يوفر مصادر متعددة للمعلومات، ويحمي سرية العمل، ويخلق تنافسا ايجابيا فيما بينها ،لكنه اليوم أصبح سببًا للارتباك والتناحر والصراعات . كل جهاز يحمي نفوذه ويخاف على حصته من السلطة والمكانة ، ما يجعل أي تعديل أو نقل قيادات يُفسَّر أحيانًا كمحاولة للسيطرة على جهاز آخر.
من بين الإجراءات التي أظهرت هشاشة التنسيق الداخلي، ازداد على اثر نقل قيادات من استخبارات الحرس إلى مناصب حساسة داخل وزارة المخابرات. بينما أعلنت السلطات أن الهدف هو “إعادة هيكلة”، فُسّرت داخليًا بأنها محاولة لتقليل نفوذ الحرس أو فرض سيطرته على الوزارة. هذا التداخل خلق شكوكًا متبادلة: الوزارة تخشى أن يكون نقل الضباط وسيلة لتسلل الحرس، والحرس يخشى فقدان قدرته التنفيذية وتحويل ضباطه إلى أدوات بيروقراطية. وهكذا، أصبح كل جهاز يتساءل: هل هؤلاء الضباط جاءوا لتعزيز التنسيق أم لمراقبة الجهاز الآخر؟.
وتُترجم هذه الأزمة فيما بعد إلى واقع عملي ملموس، حيث ظهرت ثلاثة آثار مباشرة: تناقض التقارير الاستخباراتية، بطء الاستجابة للملفات الميدانية، واستخدام التحقيقات الداخلية كأداة لتصفية خصوم داخلية. من هنا فبدلاً من توحيد الجهود لمواجهة التهديد الخارجي، أصبح الصراع الداخلي والشكوك المتبادلة الخطر الأكبر، ما يضع أجهزة الاستخبارات في حالة ضعف حقيقية.
الجانب السياسي والقيادي كذلك ازداد تعقيدًا مع تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكیان، الذي أوضح أن قلقه لم يكن على نفسه أثناء الحرب، بل على سلامة المرشد خامنئي ؛ وان أي ضرر للمرشد قد يؤدي إلى صراع داخلي مباشر بين الأجهزة، حتى دون تدخل خارجي، ما يبين أن الخطر الأكبر لم يعد من إسرائيل، بل من الانقسامات الداخلية نفسها ونداعيتها على اجهزة النظام الامنية والعسكرية برمتها .
نتيجة هذه التفاعلات، تغير سلوك القادة بشكل واضح: أصبح هدمّهم الأساسي حماية أنفسهم وإثبات ولائهم أمام المرشد، بدلاً من إدارة الملفات الاستخباراتية بكفاءة . هذه الديناميكية تُحوّل “منطق الأمن القومي” إلى “منطق النجاة المؤسسية”، حيث يسعى كل مسؤول لتفادي الاتهام بالخطأ أو الخيانة او التخاذل ….
من منظور استراتيجي، استمرار هذه الصراعات والولاءات المتعددة قد يؤدي إلى مزيد من تدهور القدرة على اتخاذ القرار ،وقراءة التهديدات الخارجية بسرعة. الحل الممكن يتطلب إعادة توزيع الصلاحيات بوضوح، إنشاء آليات رقابة مشتركة، ومجلس توجيه استخباراتي مركزي. لكن تنفيذ ذلك يحتاج إلى إرادة مركزية قوية، وهو ما يبدو مفقودًا أو مترددًا في ظل مخاوف النظام من أي تغيير قد يزعزع تماسكه الداخلي.
في النهاية، حرب الاثني عشر يومًا لم تكن مجرد مواجهة عسكرية قصيرة، بل اختبار وجودي لمنظومة الاستخبارات الإيرانية. أظهرت هذه الحرب أن الانهيار الحقيقي قد يأتي من الداخل، من تصدعات الولاءات والصراعات والتنافس بين الأجهزة نفسها، وليس فقط من الاختراقات الخارجية التي لم يتم التوصل الى خيوطها لغاية هذه اللحظة .
