شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

 

د.نبيل العتوم

كشفت تصريحات وزير المخابرات الإيراني إسماعيل خطيب مؤخرا بوضوح حجم القلق الكبير الذي يعتري أجهزة النظام، إذ بدا أكثر تركيزاً على التهديدات الداخلية من أي تهديد خارجي ؛ فبينما حاول الوزير الايراني تصوير الواقع الحالي الذي يعيشه النظام كصراع مستمر مع قوى خارجية، كانت النبرة الحقيقية تشير بشكل مباشر وصريح إلى تآكل السيطرة داخل إيران، وارتفاع مستوى المخاطر التي تشكلها التحركات الشعبية المستمرة؛ خاصة مع احتمالية منسوب دخول المتغير الخارجي على خط الدعم ، حتى وإن بدت رمزية أو محدودة لغاية الان ، بالمقابل ربط الوزير الايراني بين الشرعية والاستقرار عبر رفع مكانة خامنئي إلى مرتبة لا يمكن المساس بها سياسياً أو لفظيا ، في محاولة واضحة لتعويض هشاشة الشرعية الداخلية ومحاولة تحويل أي نقد أو تلميح بالتقصير إلى تهديد أمني مباشر للنظام برمته .

الامور لم تقف هنا ، فقد وسع وزير المخابرات الايراني دائرة الاتهام ليشمل أي صوت داخلي ناقد ووصفه بـ”المتسلل خدمة للعدو” .هذه التصريحات لم تكن مجرد حديث استعراضي، بل أداة دفاعية تكشف اعتراف النظام بأن خطر الانفلات الداخلي أصبح ملموساً وواقعيا اكثر من ذي قبل ، ويحتاج إلى إجراءات استباقية للسيطرة عليه ؛ فالذكرى السنوية لانتفاضة نوفمبر 2019 أعادت إلى الأذهان قدرة المجتمع على تحدي السلطة، حتى في ظل مراقبة الأجهزة الأمنية، وأظهرت أن الأدوات التقليدية للردع لم تعد مضمونة الفاعلية، مما دفع الوزير إلى لغة التخوين والتحذير بشكل غير مسبوق .

وفي سياق محاولته التحكم بالواقع الداخلي، ركزت تصريحات وزير المخابرات الايراني على ما وصفه بـ”حماية الأقليات والمذاهب والتيارات السياسية”، وهو في الواقع توجيه لإعادة إحكام الرقابة على البنية الاجتماعية لمنع أي تنسيق محتمل بين مكونات المجتمع المختلفة قد يتحول إلى قوة ضغط على السلطة. وفي الوقت نفسه، لجأ الوزير إلى الإشارة إلى تغيّر في الاستراتيجية الغربية من “إسقاط النظام ” إلى “الاحتواء بالضغط” كغطاء سياسي، لكنه لم يستطع إخفاء الحقيقة: الخطر الأكبر على النظام ينبع من الداخل أولا وثانيا ، وليس من الخارج.

هذه التصريحات لا شك تكشف تقديراً استخبارياً صريحاً بأن النظام يواجه تهديداً كبيرا من المجتمع الايراني باطيافه المختلفة ، وأن أدوات التحكم التقليدية لم تعد فعّالة بمفردها، مما يحول لغة التخوين إلى أداة استباقية لمنع أي حراك داخلي قبل أن يتبلور. وهكذا، تتحول تصريحات وزير المخابرات إلى اعتراف صريح يكشف هشاشة النظام: شعب قادر على المطالبة بحقوقه والتعبير عن غضبه، وسلطة تعاني من فقدان السيطرة الكاملة على أدوات الردع والمواجهة ، وقلق مستمر من انفجار محتمل للاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

في النهاية، ما يعكسه حديث الوزير الايراني ليس مجرد تحذير من تهديد خارجي مفترض، بل اعتراف ضمني بأن “المؤامرة الداخلية” هي التحدي الأكثر إلحاحاً للنظام، وأن مستقبل السيطرة على إيران يعتمد اليوم على مدى قدرة الأجهزة الأمنية على احتواء شعب لم يعد يقبل أن يُعامل كخطر لمجرد أنه يطالب بحق، أو يعبر عن رأيه حتى وان كان عبر احتجاجات سلمية .

شاركها.