شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

زياد الصوفي

ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح ، فأحياناً تُدار أخطر الحروب على طاولات خشبية باردة، في ممرات ضيقة ،أو في صالات ذات سقوف عالية، وعلى أوراق تحمل توقيع قد يُغيّر مصير شعب بأكمله.
وفي تاريخ الصراع بعد تحرير سوريا، كانت هناك معارك كثيرة ، لكن معركة قيصر لم تكن كغيرها.

هي أمّ المعارك السياسية، الورقة الأخيرة التي يتمسّك بها كل من أراد إطالة أمد جراحنا، أو تأخير عودتنا كدولة كاملة، سيادة وقرار وحدود.

ذكرت سابقاً إن مصير قانون قيصر هو آخر ما تبقّى في يد المتلاعبين بالشأن السوري، واليوم ونحن نقف على عتبة التصويت على إلغائه ، تسقط كل الأقنعة دفعة واحدة. فالمتمسّكون ببقائه لا يفعلون ذلك دفاعاً عن العدالة، ولا رحمة بالسوريين، بل لأن هذا القانون هو آخر نافذة يستطيعون من خلالها ابتزاز الدولة، وتعطيل خطواتها، وإطالة عمر الفوضى التي بنوا عليها نفوذهم و أوهامهم ..

ولأن لحظات النهاية دائماً لحظات قذرة، شهدنا أمس محاولة مكشوفة لجرّ الدولة إلى ردود فعل طائفية قبيل جلسة التصويت،..

رأينا الجريمة المروّعة في ريف حمص، والعبارات الدموية التي خُطّت فوق جثث الضحايا لاستفزاز العشائر وإشعال فتنة يريدونها بأي ثمن، فقط ليخرجوا بعدها مظلومياتهم ويقولوا، إن إدارة الرئيس الشرع لا تصلح لقيادة سوريا، يبحثون عن دم يعلّقونه على باب الحكومة، عن شرارة صغيرة يصنعون منها حريق يبرّرون به آخر أكاذيبهم.

والمفارقة أن هذا ليس جديداً، فهم من خسروا كل معاركهم السابقة ، خسروا في انقلاب الساحل، وخسروا في محاولة فصل السويداء، وخسروا في فدرلة الجزيرة، وخسروا في معركة حرق غابات اللاذقية لإحراج الحكومة.

خسروا حملات التشكيك، وتشويه الثقة، وتلويث صورة الدولة، خسروا عندما رفعوا أعلام الغرباء في ساحاتهم، و خسروا حين حولوا السياسة إلى حفلة ادعاءات عن قتل وخطف وسبي، ظناً منهم أنهم قادرون على كسر هيبة دولة وُلدت من وسط النار.

كل تلك الهجمات سقطت، كل مؤامراتهم تبعثرت، وبقي لهم آخر أمل، آخر جدار يحاولون الاحتماء خلفه، التصويت على قانون قيصر.

يعرفون أن ما بعده ليس كما قبله

يعرفون أن نهاية مفاعيله تعني بدء تدفّق الاستثمارات، وعودة سوريا إلى محيطها الطبيعي، كدولة طبيعية في نظام طبيعي، بعد سنوات طويلة كنا فيها جميعاً ضحايا محور شاذ أراد لسوريا أن تبقى مكسورة وواقفة على قدم واحدة.

اليوم، نحن أمام الأيام الأخيرة.

أيام ثقيلة على من بنى نفوذه على حساب أوجاع السوريين، ومشرقة على من بقي مؤمناً بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُرهن لقرار من يكره وحدتها.

الخيار الآن لنا نحن.

نحن الذين نقف مع بناء الدولة، نحن الذين نثق بقدرتها على عبور هذه اللحظة بلا انزلاق، وبلا ردود أفعال تمنح أعداء سوريا ذريعة جديدة.

نحن الذين نطلب من حكومتنا أن تسرّع إجراءات العدالة الانتقالية، وأن يرى الشعب السوري بأمّ عينه كل من اعتقد أنه قادر على العبث بمستقبله بعد أن دمّر ماضيه، وراء القضبان، حيث يجب أن يكون.

هذه ليست معركة قانون، بل معركة وعي.
وعي شعب أدرك أن مصيره لا يُكتب في غرف سوداء مغلقة، ولا يُحدَّد بمزاج من يتقن صناعة الظلال..

لكننا لن نمنحهم هذه اللحظة التي يحلمون بها.
لن نقدّم لهم خطأ مجاني، ولا شرارة يختبئون خلفها، ولا ذريعة يلوّنون بها آخر رواياتهم البائسة.
سنُسقط آخر أوراقهم كما أسقطنا كل ما قبلها، وسنصل إلى يوم التصويت ثابتين، بلا ارتباك ولا انزلاق، عارفين تماماً أن ما ينتظرهم بعد ذلك ليس إلا الحقيقة التي تهرّبوا منها لسنوات..
ونعم…
سيدوِّن التاريخ أن آخر معاركهم انتهت قبل أن تبدأ.
سوريا حين اختارت أن تعود دولة، لم تعد تُدار في زمن المزارع والابتزاز والحصار.
حتى الكاميرات التي وثّقت حضور الرئيس الشرع في الأمم المتحدة التقطت لحظة هادئة، لحظة تحمل معنى عميق وهو يكتب على ورقة جانبية، بثقة العارف انها آخر المعارك:
“قيصر… مفترق طرق”..

شاركها.