
المحامي جيمي فرنسيس
أتى اتفاق وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان ليعيد توزيع الالتزامات على الطرفين المتحاربين، إسرائيل و”حزب الله”، وليحدّد بدقة موجبات وحقوق كل منهما. ومنذ اللحظة الأولى، بدا الاتفاق وكأنه يمنح إسرائيل امتيازات الطرف المهيمن في المواجهة الأخيرة، فيما حمّل “حزب الله” معظم المسؤوليات، وصولاً إلى ترتيبات تُنهي دوره العسكري فعلياً. هذا الإطار الذي التزم به الجانبان كلّف مجموعة الدول الراعية مطالبة الدولة اللبنانية بتنفيذ القسم الأكبر منه، وبشروط تخوّل إسرائيل الإشراف على مراحل من تطبيقه.
المفارقة أن الدولة اللبنانية نفسها لم تُستشر في الحرب الأخيرة، ولم تُسأل عن موقفها، ولم تُقرر الإسناد لأي طرف. لم تكن طرفًا مباشرًا، ولا شريكًا في قرار الحرب، بل تحولت أراضيها إلى ساحة مواجهة إيرانية – إسرائيلية. ومع ذلك، ونتيجة الارتباط العضوي بين قرار الحزب والدولة، وجدت الحكومة نفسها مكلفة بتنفيذ اتفاق لم تشارك في صياغته، ومسؤولة عن موجبات جاءت أساساً نتيجة دور لم تضطلع به. ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً: ماذا نفّذت الدولة فعلاً من هذا الاتفاق؟
بعد وقف الأعمال العدائية، أعلنت الحكومة استعدادها لتفكيك جميع المنشآت العسكرية غير الشرعية ومنع قيام أي بنى مماثلة، لتنفيذ القرارات الدولية تحديداً 1701 و1559 الذي لم يكتف بذكره بل بالتشديد على مضمونه بشكل صريح “نزع سلاح جميع المجموعات المسلحة في لبنان”، بحيث تقتصر القوى المخولة بحمل السلاح في لبنان على القوات المسلحة اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي، ومديرية الأمن العام، والمديرية العامة للأمن الوطني، والجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية،.
ورغم قبول “حزب الله” بهذه البنود عند توقيع الاتفاق، سرعان ما انقلب عليها عمليًا عبر إعادة بناء قدراته وهيكليته العسكرية واستعادة مصادر تمويله وتسليحه، في خطوة تتعارض جذريًا مع مبدأ «وقف مستدام للأعمال العدائية» الذي يقوم عليه الاتفاق.
من جهة أخرى، ترك الاتفاق لإسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك تحت عنوان «ضمان سلامة أرضها وأفرادها»، وهو بند تحوّل سريعًا إلى أداة لتبرير الضربات على الأراضي اللبنانية ضد مواقع أو أفراد مرتبطين بالحزب. بذلك بات هذا “الحق الوقائي” جزءاً من منظومة الاتفاق نفسه، ونتيجة مباشرة لقبول “حزب الله” بالشروط التي فُرضت. وإن رفض البعض هذه المقاربة، إلا أننا أمام واقع، “عدم التزام الطرفين عملياً باتفاق وقف إطلاق النار.”
ومع مرور الوقت، عاد الصراع ليشتعل من جديد. من جهة، يؤكد الحزب من خلال إعادة بناء قدراته وتدفّق التمويل والسلاح إليه أنّه غير ملتزم بالاتفاق. ومن جهة أخرى، تصعّد إسرائيل ضرباتها ضده، وكان آخرها استهداف القائد العسكري الإيراني هيثم علي الطبطبائي في قلب بيروت.
هذا المشهد أوحى بوجود صراع ثنائي بين إسرائيل والحزب الذي بات وكأنه يُختزل بالدولة اللبنانية، أو بصراع ثلاثي بين إسرائيل من جهة، والحزب من جهة ثانية، والدولة اللبنانية في موقع ثالث. لكن كلا التوصيفين خاطئان، فالدولة اللبنانية لم تكن يوماً فاعلاً أو شريكاً أو محرّضاً في الحرب الأخيرة، فلماذا يسعى بعض المسؤولين اليوم إلى إدخالها قسراً في هذا النزاع؟
صحيح أنّ الضربات الإسرائيلية تقع على أراض لبنانية، لكن هناك من اتخذ قرار تحويل تلك الأراضي إلى منصّة للقتال ومنع الدولة من بسط سلطتها عليها. وصحيح أنها تستهدف لبنانيين، لكن هؤلاء لم يلتزموا بقرار الدولة حصرية السلاح ووقف الأعمال العدائية، وبالتالي هم في موقع مواجهة مع قراراتها. ويُضاف إلى هؤلاء مقاتلون إيرانيون يقاتلون على الأراضي اللبنانية كما ظهر في حالة الطبطبائي، ما يطرح سؤالاً بديهياً: لماذا تتحمّل الدولة مسؤولية حرب يخوضها آخرون، ومن خارج مؤسساتها؟
ما على المسؤولين التركيز عليه اليوم هو حماية لبنان من خلال تحييد مؤسساته وعدم إدخالها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. الدولة مسؤولة عن حماية شعبها، وعن تنفيذ ما تستطيع تنفيذه من موجبات الاتفاق، وعن بسط السيادة ونزع كل أشكال السلاح غير الشرعي، لكنّها ليست مسؤولة عن تحمل نتائج قرارات اتّخذتها قوى مسلّحة تعمل خارج مؤسساتها. الالتزام بتنفيذ مضمون وقف إطلاق النار، ومنع تحويل لبنان إلى ساحة رسائل متبادلة، ووقف الخضوع لأي ابتزاز سياسي أو عسكري، هي مسؤوليات وطنية قبل أن تكون مطالب دولية.
إن مسؤولية تفكيك المنشآت العسكرية غير الشرعية وحصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها هي مسؤولية لبنانية قبل أن تكون مطلباً خارجياً أو شرطاً دولياً. والحفاظ على حياد الدولة وفصلها عن الفصائل المسلحة مطلب داخلي قبل أي اعتبار آخر، بدأ قبل زمن التخادم الإسرائيلي ـ الإيراني، وسيبقى مستمراً إلى حين تحقيقه بالكامل!
