أنطون الفتى
تحتلّ الأحاديث عن “وشايات” و”بخّ سموم” وتحريض على السلطات الرسمية في لبنان داخل الولايات المتحدة الأميركية، مساحة لا بأس بها من الاهتمامات المحلية الرسمية منذ نحو ثلاثة أسابيع تقريباً، وذلك أكثر من الاهتمام بملفات حيوية أخرى كثيرة، من المُفتَرَض صبّ وتركيز كل أنواع الجهود عليها، من أجل الإسراع في إخراج لبنان من التعثّر السياسي والأمني والاقتصادي الذي بدأ يهدد بشقّ طريقه صعوداً فيه، من حساب البلد والناس على حدّ سواء.
خريف 2017
ولكن “الوشايات” والتحريض والسموم التي يُحكى عنها الآن، ضمن محاولة لتبرير بعض أو الكثير من الفشل الرسمي في العمل على كل أنواع الملفات، خصوصاً الأمنية منها، تذكّرنا كثيراً بما شهدته الحياة السياسية اللبنانية في خريف عام 2017.
ففي ذلك الوقت، كانت الجماعة الحاكمة تُنهي عامها الأول في السلطة (بعد “رئاسية” 2016)، من دون إحراز أي نوع من التقدّم لا على صعيد الإصلاحات الاقتصادية والمالية، ولا على مستويات ضبط الحدود، ووقف التهريب، وتوحيد القرار السياسي والعسكري والاقتصادي بالدولة اللبنانية وحدها، لا بل على العكس من ذلك، كانت جماعة الحكم في ذلك الوقت تبرّر كل طُرُق وأشكال استباحة الدولة تحت عنوان الحفاظ على أوراق قوة للبنان. وهو ما يعني أن السلطة اللبنانية في ذلك الوقت كانت ترى في ازدواجية القرارات الاستراتيجية والكبرى أوراق قوة، ما برّر لها عدم إحراز أي تحسين على مستويات إصلاح الدولة اللبنانية.
فراغ كبير
وتبعاً لما سبق ذكره، شهدت تلك السلطات نفسها أولى إشارات سقوطها في خريف عام 2017، عبر خطوات متعددة، من أبرزها التحديات التي برزت أمام الحكومة اعتباراً من تشرين الثاني (2017)، وتفسُّخ التحالفات التي سبقت “رئاسية” 2016 بدءاً من ملفات بسيطة وصولاً الى الاستحقاق النيابي في ربيع عام 2018. وقد سبق هذا السقوط الكبير الذي استمر وصولاً الى 17 تشرين الأول 2019، وانفجار مرفأ بيروت في آب 2020،… وانتهاء الحكم بفراغ كبير، (سبقه) “ورشة” اتهامات بـ “وشايات” و”بخّ سموم” وتحريض من جانب بعض الأطراف المحلية لأخرى.
حصر السلاح…
وبالوصول الى يومنا الحاضر أيضاً، والى “موجة الوشايات” والتحريض و”بخّ” السموم التي تُثير ريبة وامتعاض… البعض في لبنان الآن، نرى حالياً ما يكفي من إشارات أولى الى أننا على أبواب تدهور سياسي محلّي كبير ربما، سيسبق انتخابات 2026 النيابية، وسيزداد تدريجياً من الآن وحتى بلوغ موعدها. وهو ما يعني أن الزخم الكبير الذي يرافق الحكم ويدعمه منذ أشهر قد يكون دخل مراحل صعبة جداً، تحتاج الى من يتداركها بالفعل.
والتدارُك لا يكون بشكليات إعلامية، بل بضرورة إنجاز ملفات حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، وبسط سلطتها وحدها على كامل أراضيها، مع ما لكلّ ذلك من نتائج سياسية واقتصادية ومالية قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى، كفيلة وحدها بتحييد لبنان عن المشاكل الخارجية والسجالات الداخلية العقيمة، على حدّ سواء.
