شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

محمد مظهر الحموي

كلما أطلت ذكرى استقلال لبنان، يتساءل أبناء طرابلس عن سبب استمرار اللامبالاة والإهمال المتمادي تجاه شهداء المدينة الذين سقطوا في فترات متلاحقة دفاعاً عن استقلال لبنان في مواجهة ما كان يُسمّى بالانتداب الفرنسي، ولا سيّما خلال الإضرابات الشهيرة التي شهدتها طرابلس عام 1936، وقبل استقلال لبنان عام 1943.

لقد مرّت 89 عاماً على انتفاضة طرابلس عام 1936 وإضراباتها المتلاحقة، التي استمر أحدها نحو 40 يوماً، حين أعلنت المدينة العصيان على المحتل الفرنسي، فانكفأت ممتنعة عن التبادل التجاري ومعتصمة داخل أحيائها الشعبية. وكانت تنطلق من باحة الجامع المنصوري الكبير تظاهرات شبه يومية رفضاً للاحتلال الفرنسي الذي شعر بأن هذه الإضرابات والاحتجاجات سوف تؤثر سلباً على الحياة الاقتصادية في المدينة، وخاصة على مرفئها، وتُضعف الماكينة الاقتصادية التي تمتعت بها طرابلس طوال قرون سابقة.

ويتحدث المؤرخون، ومنهم الشيخ كامل البابا رحمه الله، وكبار السن من أبناء طرابلس، عن وقائع هذه الإضرابات التي حاول الفرنسيون قمعها بعمليات اجتياح للأسواق الداخلية وأحياء باب الرمل، الذي سُمّي آنذاك بـ”جبل النار” لشدة مقاومته، وكذلك نحو حي النوري بجانب الجامع المنصوري الكبير حيث كان ثوار المدينة يتحصّنون خلف استحكاماتهم ببنادقهم المتواضعة، وفي سوق الكندرجية ومفترق سوق الصاغة والبازركان حيث وقعت أعنف مواجهة بين الثوار والقوات الفرنسية. وهناك سقط أول شهيد من الثوار، وهو جدّ والدي، الشهيد سعد الله قاسم الحموي (الملقب بالبيروتي). وقد تعذّر دفنه آنذاك لشدة المعارك وانقطاع الطرق المؤدية إلى جبانة باب الرمل، فدُفن في الحديقة الخلفية للجامع المنصوري الكبير. وبعد انتهاء المعارك، كما روى الحاج صلاح حمزة رحمه الله، صاحب مؤسسة دفن الموتى، والحاج علي الشلبي، القيّم على الجامع المنصوري الكبير، تم نقل جثمانه وجثامين بعض الشهداء إلى قطعة أرض مجاورة لجبانة باب الرمل وجامع طينال، عُرفت لاحقاً باسم “جبانة الشهداء”.

ويقول الحاج صلاح حمزة رحمه الله لوالدي الشيخ مظهر الحموي إنه عندما فُتح قبر الجدّ الشهيد سعد الله الحموي لإخراج جثمانه ونقله إلى جبانة الشهداء بعد أكثر من 30 يوماً، كانت الجثة كما لو أنها دُفنت في تلك اللحظة.

ثم توالى سقوط الشهداء في انتفاضات عام 1936، ليبلغ عددهم 5، وهم:
سعد الله قاسم الحموي، محمد رشيد دنيا، محمد ديب المير، أحمد النابلسي، وبدرية يوسف العتر رحمهم الله.

أمّا في انتفاضة الاستقلال التي اندلعت عقب اعتقال الفرنسيين زعماء البلاد، وكان من بينهم ابن طرابلس دولة الرئيس عبد الحميد كرامي رحمه الله، فقد اهتاجت المدينة واندفعت تظاهراتها المدوّية في مواجهة العسكر الفرنسي (السنغال) في شارع المصارف. وقد أدى إطلاق الرصاص الحي، إضافة إلى سحق المتظاهرين بالدبابات الفرنسية، إلى سقوط 10 شهداء، وهم:
كمال الضناوي، رشيد حجازي، ثروت أفيوني، سعيد شفشق، عبد القادر الشهال، أحمد صابر كلس، سليم صابونة، فوزي شحود، محمد حسن خضر، وخالد مصطفى الكوت.

وقد دُفن معظم هؤلاء الشهداء إلى جانب رفاقهم الذين سقطوا عام 1936 في جبانة الشهداء قرب جامع طينال.

وللأسف الشديد، فإن زيارتنا لأضرحة هؤلاء الشهداء كشفت عن تصدّع بعضها وافتقار بعضها الآخر إلى شواهد تحمل أسماء أصحابها، ما يثير التساؤل حول سبب إهمال سيرة هؤلاء الذين قضوا في سبيل الاستقلال.

إن طرابلس بأسرها تتمنى لو يبادر المسؤولون فيها، على اختلاف مواقعهم، إلى الدعوة لتكريم هؤلاء الشهداء بإقامة نصب تذكاري في مدخل الجبانة يتضمن أسماءهم، بعد ترميم أضرحتهم ووضع شواهد واضحة لها، وتنظيف الأعشاب والشجيرات المحيطة بها.

إنها دعوة ملحّة نطلقها في يوم الاستقلال؛ فشهداء طرابلس جديرون بأن يُذكَروا، أم أنّه كُتب على هذه المدينة أن تُنسى أحياؤها وشهداؤها معاً؟

شاركها.