ديما حسين صلح
لم تهتزّ الضاحية الجنوبية بانفجار شقة أو سيارة، بل بما يشبه سقوط حقبة كاملة ففي اللحظة التي سقط فيها أبو علي الطبطبائي، لم يُقتل رجل واحد، بل تم تمزيق الستار الأكثر سماكة في بنية حزب الله (ستار الظل).
الرجل الذي كان يفترض أن يعيش بعيدًا عن الرؤية، بعيدًا عن الاسم، بعيدًا حتى عن خيال الجمهور، وجد نفسه في قلب حدث يفضح كل ما حاول الحزب بناءه على مدى عقود. فحين يُقتل الرجل الثاني في كيان مبني على السرية المطلقة، فهذا لا يعني أن العدو وصل إليه بل يعني أنه كان هناك منذ زمن، يراقب من الداخل، يتنفس داخل هواء تلك المنظومة.
وإذا كان مقتل الرجل الثاني بهذه الدقة، فهذا يعني أنّ الرجل الأول نفسه يعيش الآن في دائرة كشف غير مسبوقة، وأن موقعه لم يعد محميًا كما كان يظن، وأن كل طبقات الحماية التي التفّت حوله لم تعد سوى ستائر ورقية أمام عين ترى كل شيء.
الضربة لم تكن عملية اغتيال، بل عملية إضاءة،فإسرائيل لم تضرب هدفًا، بل شغّلت الضوء داخل غرفة مظلمة بُنيت قواعدها على أن الظلام هو الحماية.
وما إن أُضيء المكان، حتى ظهر كل ما كان الحزب يعتقد أنه مخفي(مسارات، خطوط، أماكن، تحركات، وأسماء كان يفترض ألا يعرفها أحد)،الارتجاج شعر به الداخل أكثر مما شعر به الخارج؛ فقد انهارت فجأة أسطورة نحن نعرف عنهم أكثر مما يعرفون عنا لتتحول إلى حقيقة عارية تقول:لقد عرفوا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا)
وفي قلب هذا الارتجاج، خرج عمار بتصريح بارد: (المقاومة تتعامل بأعلى درجات الحكمة والصبر وستحدد الوقت المناسب لمواجهة العدو).
هذا الكلام، الذي يمرّ على المستمع العادي وكأنه خطاب هدوء، يصرخ في آذان العارفين،لأنه ليس خطاب قوة، بل خطاب مَن يحتاج وقتًا، ومَن فوجئ بمدى اتساع الخرق، ومَن يحاول شراء الساعات لإعادة لملمة جدران داخلية انهارت فجأة فوق مكاتب القيادة.
الحكمة هنا ليست خيارًا، والصبر ليس فضيلة كلاهما غطاء لوضع يحتاج إعادة تقييم كاملة (من اخترق ماذا؟ ومن رأى من؟ ومن تكلّم أكثر مما يجب؟).
فالضربة لم تكشف موقع الطبطبائي فقط، بل كشفت أن شبكة الاتصالات التي تحكم حركة القيادة لم تعد صلبة كما ظنّ صانعوها وأن المسارات التي كانت تُعتبر آمنة كانت مكشوفة منذ أشهر وأن منظومة الحماية التي يفاخر بها الحزب لم تكن سوى واجهة هشّة لا تختبر نفسها إلا حين تأتي لحظة الحقيقة.
وكل ذلك أحدث زلزالًا داخل الغرف المغلقة التي لا يسمع أحد همسها ،استجوابات داخلية، شك متبادل بين دوائر الأمن، إعادة بناء لرسم الهيكل، ووجوه كانت تثق ببعضها أصبحت تنظر إلى بعضها بشكّ حاد لم يكن موجودًا قبل الانفجار.
وهنا يبدأ السيناريو الأكثر حساسية،ماذا يفعل الحزب الآن؟ الردّ ليس عملية ،الردّ اعتراف.
أي تحرك انتقامي غير مدروس سيكشف المزيد من أنماط الاتصالات، وسيُظهر للعدو ما تبقى من خطوط الحركة.
الحزب عالق بين نارين إذا ردّ بسرعة، فقد يكشف نفسه أكثر وإذا صمت، فقد يظهر ضعفه أمام جمهوره.
وفي كلا الخيارين، ستلتقط إسرائيل الإشارة، وستتكيف معها لتعيد ترتيب بنك الأهداف بما يتناسب مع اللحظة الجديدة.
إن السيناريو الأول الذي قد يلجأ إليه الحزب هو الردّ المحدود، المبني على ضربة صغيرة لكنها محسوبة بدقة، ضربة تُنفّذ من وحدة لا تترك أثرًا واضحًا، وتُرسل رسالة مفادها أن الحزب لم يتخلَّ عن معادلة الردع.
لكنه لا يجرؤ على توسيعها فالأرض اهتزت تحت قدميه، وما عاد قادراً على المخاطرة بفتح بوابة مواجهة كبرى قد تتحول إلى حرب شاملة تُظهر للناس ما يخفيه خلف أسطورته(أنه ليس مستعدًا لها في هذا الوقت)
أما السيناريو الثاني، وهو الأخطر والأقل احتمالًا رغم كل الشعارات، فهو ردّ مفتوح واسع النطاق فالحزب يدرك أن هذا السيناريو لن يكون مواجهة معه فقط، بل سيكون مواجهة مع لبنان بأكمله، ومع بنية تحتية هشة، ومع بيئة داخلية تعبت من الحروب.
أي خطوة واسعة ستتحول إلى فوضى لا يمكن ضبطها، وسيكون هو أول من يدفع الثمن، لأنه سيضطر للكشف عن مواقع وقواعد وقيادات كان يخفيها منذ سنوات.
ولأن العدو يدرك هذا الضعف، فهو ينتظر،يراقب،يلتقط كل ارتجافة في صوت المسؤولين، وكل تغيير في حركة الحماية، وكل تعديلات في نقل الشخصيات.
إسرائيل، بعد هذه العملية، ليست في وضعية منتصرة عسكريًا فقط،بل في وضعية مسيطرة استخباراتيًا فهي تعرف الآن كيف يفكر الحزب حين يُصدَم، وكيف يعيد ترتيب نفسه حين يُخترَق، وكيف يتصرف حين يخسر أحد أعمدته.
في الموازاة، يقف لبنان في منتصف هذه العاصفة، يراقب ما يجري بصمت ليس صمتًا سياسيًا بل صمت فهم،صمت مجتمع أدرك فجأة أن الحزب الذي ادّعى القوة المطلقة قد انكشف على مستوى لم يكن يتخيله أحد.
صمت دولة تعرف أنها لا تملك ترف المواجهة، ولا رفاهية الدخول في حرب من أجل رجل مهما كان موقعه.
صمت شعب يلتقط ما بين السطور،أن الهيبة ليست حقيقة، وأن الأمن ليس مضمونًا، وأن البلاد كلها باتت أضعف مما كانت قبل دقائق من الاغتيال.
الخلاصة التي يحاول الحزب دفنها تحت الرماد هي أن هذه العملية لم تمزق فقط ستار السرية بل مزقت تعريف الحزب لنفسه.
وكيف يمكن لقوة أن تحمي مشروعًا إقليميًا إذا لم تستطع حماية الرجل الذي يقف على رأس هذا المشروع؟ كيف يمكن لحزب أن يردع إذا كان هو نفسه مخترقًا؟ كيف يقنع جمهوره بأنه يدير لعبة إقليمية معقدة، بينما لم يستطع أن يدير حماية ظله؟
اليوم، لم ينتهِ رجل اليوم انتهى زمن،زمن كان الحزب فيه سيّد الظلال،واليوم، أُضيء الضوء وكل من يعيش في الظل حين يُضاء الضوء عليه، لا يملك إلا أن يغمض عينيه ويصمت. وهذا ما يفعله الحزب الآن.
ليس لأن الصمت حكمة بل لأن الكلام قد يفضح ما تبقى من الأسرار.
المصدر: جنوبية
