مجدي الحلبي
يحل يوم الاستقلال اللبناني هذا العام مثقلاً بالهواجس بدل الاحتفال، إذ يقف البلد عند مفترق وجودي بين حلم السيادة وخطر فقدانها تحت وقع التهديدات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة. إسرائيل تلوّح بضربات واسعة قد تطال الضاحية الجنوبية لبيروت ومواقع الجيش اللبناني، في ظل محاولات متعمدة لخلط الجيش بحزب الله، وتبرير أي تصعيد باعتباره استهدافاً لمحور إيران في المنطقة. في المقابل، تستمر إيران في دعم حزب الله مالياً وعسكرياً، وتتعزز الضغوط الأميركية الإسرائيلية لإجبار لبنان على نزع سلاح الحزب بالقوة، ما يضع استقلال البلاد على المحك ويهدد بجرّه إلى مواجهة إقليمية مدمرة.
هذا المشهد يعكس أزمة لبنان العميقة: استقلال منقوص وتبعية متجددة، حيث لم ينجح البلد منذ الاستقلال في بناء دولة ذات قرار سيادي حر.
الصراعات الداخلية بين الأطراف والطرائف تتفاقم بين قوى تراهن على الخارج، فتتوزع الولاءات بين إيران عبر حزب الله، وبين من يراهن على الولايات المتحدة ووصولا إلى من يأمل الدعم من دول الخليج سياسياً واقتصادياً، أضف إلى ذلك كله ضغط اسرائيل العسكري وتعويل بعض الفئات اللبنانية عليها.
هذه الانقسامات والرهانات تشير إلى هشاشة المؤسسة وتضعف الدولة وتحوّلها إلى ساحة صراع إقليمي، وتمنعها من فرض سيادتها أو حماية استقلالها فعلياً.
الضغوط الدولية تتزايد، والرهان على قدرة الدولة اللبنانية في ضبط الوضع يتراجع. واشنطن ألغت لقاءات قائد الجيش اللبناني تعبيراً عن امتعاضها من التعاون مع حزب الله، وتطالب بتكثيف العمليات في الجنوب وقطع التمويل عن الحزب، بينما يرفض الحزب أي مساس بسلاحه ويعتبره ضمانة لحماية لبنان. في ظل هذا التناحر، تتعطل خطط الحكومة لنزع سلاح الحزب، ويزداد الوضع هشاشة مع كل تصعيد جديد.
في إسرائيل، يُستغل التصعيد مع لبنان سياسياً للهروب من أزمات داخلية، أبرزها أزمة إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، حيث يمنح التوتر مع لبنان رئيس الوزراء نتنياهو ذريعة لتأجيل اتخاذ قرارات مصيرية تهدد استقرار حكومته. هكذا يتحول لبنان إلى ورقة ضغط في صراعات الآخرين، ويدفع ثمن عجزه عن تحقيق المصالحة الداخلية وبناء دولة مؤسسات حقيقية.
لبنان الذي كان يُلقب يوماً بـ”سويسرا الشرق” بات اليوم نموذجاً للفشل والانقسام، مهدداً بفقدان ما تبقى من استقلاله في ذكرى الاستقلال نفسه. السيادة الحقيقية لا تتحقق بالشعارات، بل بوحدة الداخل وقرار وطني حر، وهو ما يفتقده لبنان في هذه المرحلة الحرجة. الاستقلال في خطر، والتبعية تزداد، والمستقبل معلق بين شبح الحرب وأمل المصالحة الوطنية.
