
زياد الصوفي
هناك من يقف اليوم على شرفة الوطن، يحدّق في سمائه الجديدة، ثم يقول بكل وقاحة، بملىء البرود: “لم يتغيّر شيء”
يقولها وكأن الوجع الذي عشناه كان إحصاء للكيلو وعداد للكهرباء، لا تاريخاً طُمرت تحته ملايين القلوب.
يقولها وكأن قيامة الشعوب تُقاس بسعر رغيف خبز، وبتكلفة باقة انترنت، وبثمن أمبير ضوء، على أهميتها ، لا بكرامة الإنسان ، وكأن الأمم تُبعث من جديد عبر الفواتير ، و تُسحب الأنفاس عبر الصرافات الآلية، لا عبر تحرير الروح من الخوف.
فمن يقول لم يتغيّر شيء، هل كان يعيش بيننا؟ هل رأى كيف كانت البلاد تمشي ورأسها مكسور؟ هل نسي سنوات الخوف التي كانت تقف معنا على باب البيت؟ هل نسي المدن التي كانت تستيقظ على صفارة الإنذار النفسية؟ هل نسي أن الفقر لم يكن عجز جيوب، بل إذلال كرامة؟ هل نسي ان الطوابير لم تكن على مادة، بل على حق، على كرامة، على نفس نتنفسه بلا إذن؟ هل نسي أن الوطن كان غرفة ضيقة، نافذتها الوحيدة هي الهجرة، وأن الحلم الوحيد المسموح به، هو أن تهرب، و حريتك الوحيدة باختيار طريقة الهرب بحراً او براً؟
هل نسي كيف صار السوري يخاف أن يقول اسمه؟ أن ينطق رأيه؟ أن يقف من غير أن يُسأل: لمن تنتمي؟
أيّ شيء هذا الذي لم يتغيّر؟
فاليوم، ولأول مرة منذ عقود، يستطيع السوري أن يرفع رأسه دون أن يبحث عن كاميرا فوقه ، يستطيع أن يختلف دون أن يخاف ، أن يصرخ دون أن يختبئ ، أن يشعر بأنه مواطن لا مجرد ملف أمني يمشي، أن يعود إلى وطن لم يعد ملك لعائلة، ولا لإله من إسمنت مرفوع في الساحات.
عن أي شيء لم يتغير تتحدث ، أخبرني
فالخوف لم يعد سيّد الوطن ، و الانتظار لم يعد القدر ، و الغد ليس مجرد باب مغلق، بل نافذة تُفتح، حتى لو بهدوء، حتى لو ببطء ، لكنها تُفتح.
تغيّر أن سوريا، التي كانت سجن كبير، استعادت شكلها الطبيعي ،وطن يُشفى لا يُقارن بالأمس، بل يُقاس بالغد.
فمن يصرّ على أن شيئاً لم يتغيّر، إمّا انفصالي ضاع مشروعه يوم عاد الوطن شقفة واحدة كما يجب أن يكون، وإمّا متثاقف ما زال يرفض الاعتراف بأن الشعب حرر سوريا بينما هو ما يزال عالق في أول سطر من مقاله، وإمّا يساري عَفن يهتف لكل ثورات العالم إلا ثورة أهله، وإمّا من أبناء “ثورة الفنادق والمؤتمرات” الذين لم يفهموا بعد الفرق بين أن تكون ثائر يريد التغيير، وأن تكون معارضح يلهث خلف السلطة، وإمّا من أولئك الذين تساقطت من جيوبهم مفاتيح كانت تفتح لهم أبواب الفساد والامتيازات، فلما أُغلقت تلك الأبواب، صرخوا بأعلى صوتهم: لا شيء تغيّر..
هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة…
هؤلاء يبحثون عن جمهور يلتقط شكواهم، ليُسقطها على حكومة وُلدت من قلب الثورة.
يختزلون كل الملفات من السيادة إلى الأمن إلى الحريات ، في سعر ربطة خبز، وفي تكلفة باقة انترنت، وفي عدد ساعات الضوء ، لا حباً بالناس، بل ضرباً للحاضنة الشعبية للدولة الوليدة.
يريدون أن يُقنعوا الناس أن البناء يجب أن يكون لحظياً ، وأن الجراح التي شُقّت خلال خمسين عام، يجب أن تُشفى في يومين، فقط لأنهم خسروا مواقعهم القديمة.
من يقول إن شيئًا لم يتغيّ، هو من تزعجه عودة سوريا إلى نفسها،وتُربكه حقيقة أن للبلد اليوم حكومة خرجت من صبر الناس وعرقهم ودموعهم، حكومة يشبه وجهها وجوههم، ويشبه نبضها نبضهم، لا من أقبية المخابرات، ولا من صالونات الفنادق، ولا من هوامش كتب كارل ماركس..
هو من كان مطمئن لليل طويل يضمن له امتيازاته المخفية ، لأن النهار يفضحه. ويفضح الذي لم يرى في سوريا وطناً بل فرصة، ولم يرى في شعبها روحاً بل سلّماً، ولم يرى في الثورة حلماً بل فندقاً، ولم يرى في المستقبل أملاً ،بل مقعد فارغ ينتظر أن يجلس عليه..
