شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د. رامي فنج 

جاء قرار الولايات المتحدة إلغاء اللقاءات المقرّرة
لقائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، كصفعة دبلوماسية مدروسة، لا تحمل أي التباس في توقيتها أو مضمونها. فالخطوة لم تكن، كما حاولت بيروت الإيحاء، “تعديلاً تقنياً” في الجدول، بل إلغاءً أميركياً واضحاً، سبقه إبلاغ السفارة اللبنانية في واشنطن بأن الأبواب التي كانت مفتوحة أمام قائد الجيش أُغلِقت بالكامل. تفاصيل التسلسل التي نقلتها مصادر موثوقة — بينها ما ورد في تحليل BBC — تشير إلى أنّ الجانب الأميركي ألغى الاجتماعات أولاً، وأنّ رد الفعل اللبناني جاء لاحقاً على شكل “إلغاء متبادل” في محاولة لتخفيف وطأة المشهد.

في العمق، لم يكن الأميركيون يرسلون ملاحظة دبلوماسية، بل يلوّحون بكارت أحمر لقيادة المؤسسة العسكرية. الرسالة المباشرة: واشنطن لم تعد مستعدة لتحمل ازدواجية الخطاب التي ترى أنها تتكرر في أداء الجيش اللبناني، حيث تُعلن المؤسسة التزامها بالتعاون الأمني مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تُصدر بيانات وتستخدم عبارات تعتبرها الدوائر الأميركية أقرب إلى خطاب القوى المتحالفة مع «ح زب الله». وقد شكّلت تصريحات وعبارات محددة — بينها توصيف إسرا ئيل بـ«العدو» في توقيت بالغ الحساسية — نقطة انفجار لم يعد الأميركيون يرغبون في تجاوزها.

الحدث لم يقع في فراغ. فقبل ساعات من الإلغاء، كانت جهات سياسية أميركية، بينها أعضاء نافذون في الكونغرس، تضغط على الإدارة لتشديد موقفها من الجيش اللبناني، بحجة أنه “يستفيد من دعم أميركي دون أن يُظهر إرادة سياسية أو عسكرية للفصل عن نفوذ ح زب الله”. وقد بدا أن الإدارة الأميركية، الغارقة في حسابات داخلية ، فضّلت إرسال رسالة حادة بدلاً من تحمل موجة انتقاد جديدة من اللوبيّات الموالية لإسرائيل.

وبحسب قراءة مطابقة لمنطق الإلغاء في جوهره عقاباً سياسياً أكثر منه خلافاً دبلوماسياً. الولايات المتحدة أرادت أن تقول للبنان: “لا يمكنكم أن تتوقعوا دعماً بلا شروط في الوقت الذي تتخذون فيه مواقف تُقرأ بمنظور آخر عند حلفائنا». المسألة لم تعد مسألة تصريح هنا أو بيان هناك، بل صارت تتعلق بمدى اقتناع واشنطن بأن الجيش اللبناني قادر — أو راغب — في لعب دور يتناسب مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، خصوصاً في ظلّ التوتر المستمر على حدود الجنوب.

أما على المستوى اللبناني، فقد وضعت المؤسسة العسكرية بحرجٍ بالغ. فإلغاء زيارة بهذا الحجم يطعن مباشرة في صورة الجيش الدولية، ويثير شكوكاً حول مآل برامج الدعم التي تشكّل شريان الحياة للجيش في ظل الانهيار المالي. وتقول مصادر مطّلعة إنّ الترتيبات كانت مكتملة، وإنّ العديد من الاجتماعات الرفيعة المستوى — في البنتاغون ووزارة الخارجية — كانت محسومة قبل أن يصدر القرار الأميركي بوقفها فجأة، وهو ما يؤكد أن السياق سياسي بامتياز وليس فنياً.

هذا التطور يفتح الباب أمام ثلاثة احتمالات قاسية: الأول أن تعيد بيروت لملمة الموقف عبر رسائل هادئة تُطمئن الأميركيين، ما يتيح استئناف العلاقة تدريجياً. الثاني أن تبقي واشنطن على سياسة «التجميد البارد»، فتبقي التعاون العسكري على الحدّ الأدنى، وترفع سقف المراقبة والضغط، الأمر الذي يهدد قدرة الجيش على الاستمرار في مهامه الأساسية. أما الثالث — وهو الأكثر خطورة — فيتمثل في توجّه أميركي لربط أي دعم مستقبلي بشروط سياسية واضحة تتعلق بالحدود الجنوبية وبسلاح “ح زب الله”وبخطاب المؤسسة العسكرية نفسها، وهو مطلب لا يستطيع الجيش تلبيته من دون توتر داخلي أو خسارة توازنه الوطني.

وبعيداً عن التجميل، يمكن القول إن الإلغاء كشف هشاشة المعادلة التي حاول لبنان الحفاظ عليها لسنوات: الاستفادة من الدعم الأميركي من دون تقديم مقابل سياسي واضح. هذا التوازن انهار اللحظة التي قررت فيها واشنطن أن لغة البيانات اللبنانية لم تعد “خطاباً تقليدياً”، بل مؤشراً إلى تموضع سياسي لا يمكن تجاهله. وبذلك يصبح الحدث أخطر من مجرّد إلغاء زيارة: إنه علامة على بداية إعادة صياغة العلاقة بين واشنطن والجيش اللبناني، وربما بداية مرحلة يُطلب فيها من الجيش أن يختار طريقاً لا يريد اختياره، وأن يدفع أثماناً ليست من مهامه ولا من صلاحياته.

شاركها.