شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار
د.سمير حسن عاكوم 
منذ قرنٍ من الزمن يعيش لبنان على تخوم معادلة معطّلة بين فكرة الدولة الدستورية وواقع الامتيازات الطائفية وتبعيّتها الخارجية. دولةٌ وُلدت في ظلّ نظام امتيازات كولونيالي حوّل السلطة إلى حصص موزّعة بين زعامات الطوائف والولاءات لها لا بالكفاءات، قبل أن تُضاف إليها في العقود الأخيرة طبقة جديدة من الوصاية الميليشياوية والفساد المنظّم. هكذا تراكمت طبقات السلطة في لبنان، من إرث الامتيازات إلى منظومة «محاصصة ميليشيات الاتفاق الثلاثي» التي رعاها نظام الأسد فتحوّل البلد إلى حقل نفوذ لقوى أمر واقع تمسك بخناق مؤسساته وتعطّل نهضته.
في جذور هذه المأساة نجد أنّ تأسيس الكيان على مبدأ الامتيازات قسّم الوطن إلى طوائف ومناطق، ووزّع السلطة والثروة على أساس الانتماء للزعامة لا المواطنة. هذا النظام لم يكن صدفة بل خياراً استعمارياً مقصوداً لضمان بقاء التبعية والارتهان. وحين خرج الاستعمار العسكري بقي الاستعمار السياسي والاقتصادي بأشكال جديدة تتحالف فيها الزعامات التقليدية مع مصالح دولة خارجيّة.
غيّرت الحرب الأهلية قواعد اللعبة، ففي نهاية الحرب اللبنانيّة نشأت منظومة ميليشيات أعادت تقاسم الدولة على أسس جديدة برعاية إقليمية مباشرة من نظام الأسد. وبهذا حلّت «فيروس قوى الأمر الواقع» محلّ «برنامج دولة الطائف والدستور» الشرعية، حيّدت رجالاتها وأصبح من يمتلك السلاح يملك القرار والمال. وباسم التوازن الطائفي، المقاومة وأحلافها جرى شرعنة النفوذ المسلّح للسيطرة على الوزارات والإدارات…
يعيش لبنان اليوم تحت سلطة «الدولة العميقة» وأجهزتها التي تتجاوز بقوتها كل الحكومات والوزراء. إنها شبكة متشابكة من السياسيين، المصارف، الميليشيات والمتحكمين بالقرار الوطني من زبائنيّتها وفق مصالحها في الإدارات والإعلام… تُعطِّل القضاء حين يقترب من ملفاتها، وتُفرمل الإصلاح حين يهدّد امتيازاتها، تُصادر حقوق المواطنين إذا ما اقتربت من احتكاراتها وتحوّل كل قطاعات الدولة الى مموّل لميليشياتها، لتُبقي البلاد في شلل دائم كي لا تفقد سيطرتها. لا تخضع هذه الدولة لقواعد المساءلة فهي ببساطة لا تؤمن بمفهوم ومعايير الدولة الطبيعيّة! هي دولة ظلّ تحكم بالمال والسلاح والابتزاز والعصبيّيات، فيما يتحول عنوان الدولة الرسمية إلى غطاء شكلي لممارساتها.
بهذا المعنى فإنّ لبنان اليوم ليس دولة فاشلة بالمعنى الإداري فحسب… بل دولة مختطفة. اختُطف قرارها السياسي كما اختُطفت مؤسساتها القضائية والاقتصادية وسلطة وزرائها المستقلين من السُنّة في ظلّ غياب مشروع وطني جامع وفق معايير العمل المؤسساتي للدولة الحقيقيّة يعيد التوازن والشرعية إلى الداخل اللبناني.
وسط هذا المشهد المعقّد تقف الطائفة السنيّة أمام استحقاق وطني ودستوري بالغ الأهمية. فمنذ تأسيس الجمهورية حملت النخبة السنيّة في لبنان مشروع الدولة الحديثة والدستور بالرغم من التشوّهات المعروفة، وكانت القوة الدافعة نحو بناء مؤسسات الاقتصاد والتعليم والإدارة العامة، بدءاً من رياض الصلح وعبد الله اليافي وصائب سلام… وصولاً إلى رفيق الحريري رجل الإعمار والعلاقات الدوليّة بعد مرحلة الحرب في محاولاته الفاشلة لتجاوز حيثيات الدولة العميقة وارتباطاتها الإقليميّة.
الاغتيالات المتتابعة من الشيخ عساف 1982 الى العلّامة الصالح 1982 فالرئيس كرامي 1987، المفتي خالد 1989… لم يكن استهدافاً لشخص بل خطة ممنهجة لتشويه المقومات القيميّة للطائفة السنيّة ومنطقيّة المدنيّة المنورة التي تحمل لوائها. ليكون اغتيال الرئيس الحريري عام 2005 نقطة التحوّل المفصلي يستكمل تشوّهات مرحلة الاغتيالات السابقة. أُخرج المكوّن السنّي من موقع الشراكة الوطنية وتعرّض لمحاولات ممنهجة لإبتلاعه سياسياً وإدارياً واقتصادياً بعد تشويه بنية كيانيته وتشويه مقومات بنيّة دولة المؤسسات الدستورية المرتبطة بهذه الكيانية.
نعم، لم يكن الاغتيال استهدافاً لأشخاص بل خطة ممنهجة لإنهاء مشروع الدولة نفسه. ومع تغييب القيادة الوطنية الجامعة داخل الطائفة السنيّة، فُتح الباب واسعاً أمام تغوّل قوى الأمر الواقع وتحويل الدولة إلى مجرد هيكل بلا روح. ليكون أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس الانهيار الاقتصادي بل الانهيار المعنوي لفكرة الدولة نفسها.
وفي غياب المشروع السنّي الوطني الجامع تُركت الساحة للفراغ ولتوازنات تطور السلاح المستمر على حساب تراجع المؤسسات باسم القضيّة الإقليميّة لاختطاف القرار…
لكنّ التاريخ لا ينتظر المتفرجين. فإما أن تُستعاد المبادرة الوطنية من داخل الطائفة السنيّة كقوة وسطيّة كيانيّة متأصلة من منهج الإمام الأوزاعي المتجاوزة بعمقها إرث الرئيس الحريري ومَن سبقه، أو يستمر لبنان في مسار الانتحار السياسي الذي تقوده منظومات المحاصصة وامتيازات الفساد والسلاح وصولاً للإندثار الكامل…
لا يعني تحرير الدولة الدستورية في لبنان مواجهة طائفة ضد أخرى، بل يعني ادخال مُتَغيّر مواجهة «لا منطقيّة» الوصاية والهيمنة والفساد الذي عطّل الدولة وضيّع معالمها. إنّ معركة بناء الجمهوريّة الجديدة هي معركة استعادة السيادة من الداخل عبر إعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية المختلفة دون انتقائيّة، احترام القضاء وصولاً لبناء اقتصاد مُنتج لا اقتصاد ريعي تابع. والتسليم بعدم امكانيّة نجاح أي طائفة في حماية وجودها إلّا من خلال الدولة الحقيقيّة العادلة.
وهنا يبرز الدور الطبيعي للطائفة السنيّة التي عُرفت تاريخياً بوسطيتها السياسيّة والدينيّة وبقدرتها على مدّ الجسور بين كافة المكوّنات اللبنانية كما المكونات الخارجيّة. فهي ليست طائفة انعزالية أو مؤدلجة بل صلة وصل بين الشرق والغرب، بين العروبة والانفتاح وبين الأصالة والحداثة.
إنّ قوة الطائفة السنيّة تكمن في وسطيتها وانفتاحها الفكري، تلك القيمة شكّلت عبر التاريخ محور توازن لبنان واستقراره. هذه الوسطيّة ليست ضعفاً بل هي قوّة ناعمة تقوم على العقلانية والتسامح والرؤية التاريخيّة المتجاوزة لعصبيّة أحلاف قصيري النظر.
حاول «حلف الأقليات» الذي رعاه نظام الأسد أن يُغيّب هذا الدور الوسطي، وأن يصوّر الطائفة السنيّة كحالة ارهابيّة تعادي التنوّع. غير أنّ الحقيقة التاريخية تؤكد أنّها كانت دائماً حاضنة المشروع الوطني الجامع بتنوّعه وحاملة الرسالة الحضارية للبنان في محيطه العربي والعالمي. فالطائفة السنيّة بما تملكه من رصيد ثقافي وحضاري واقتصادي قادرة أن تكون القاطرة التي تخرج لبنان من أزمته. هي الوحيدة المؤهّلة لإطلاق مشروع الشراكة الداخلية بين كل المكوّنات بعيداً عن ساديّة مرض الامتيازات والمحاصصة وكرهها المقدّس، وفي الوقت نفسه فإنّ وسطيتها وانفتاحها التاريخي يجعلها الأقدر على بناء شراكات عربية وإقليمية ودولية تعيد للبنان موقعه الطبيعي كجسر بين الشرق والغرب وكمنارة فكرية وثقافية للعالم العربي.
إنّ خلاص لبنان لن يكون في صفقات حوارات تجاوز الدستور ولا في الوصايات، بل في عودة مشروع الدولة الدستورية التي تحكمها العدالة والشفافيّة والمساءلة. وحين تتصدّر الطائفة السنيّة مجدّداً بكيانيّتها الحقيقيّة هذا المشروع فإنّها لا تدافع عن طائفتها بل عن فكرة لبنان الرسالة، لبنان الإستثمار بغنى التنوّع والعيش المشترك، لبنان الحريات والمواطنة، لبنان الذي يتكامل فيه الداخل والخارج ضمن رؤية سيادية وإنسانية واحدة.
إنّ قوة الوسطيّة السنيّة هي طوق النجاة الأخير لهذا الوطن. فهي القوة الوحيدة القادرة على كسر حلقة الانتحار الجماعي التي تمارسها قوى الأمر الواقع، وفتح الطريق نحو دولة المؤسسات الدستورية الراعية والعادلة. فإذا ما وعى اللبنانيون هذه الحقيقة وأُطلقت المبادرة من جديد من رحم الوسطيّة ومعقلها، عندها فقط يمكن أن يولد لبنان الجديد، لبنان الرسالة الذي حلم به روّاد الاستقلال والعيش الحرّ الكريم.
شاركها.