شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.شادي الأيوبي

تعيش المجتمعات الغربية اليوم ظاهرة جديرة بالدراسة والمتابعة، وهي إعادة تعريف الأخلاق والمحرمات والمكروهات المجتمعية، ووضع حدود جديدة لها، وذلك بالتحلل من كثير من القيود التي كانت تفرضها قبل عقود على شبابها ونسائها بشكل خاص.

هذه الحدود الجديدة لا علاقة لها بما نعرفه نحن المسلمين من حلالٍ وحرام، وهذا شأن هذه المجتمعات، لولا أن هذه التعريفات الجديدة تضرب أبناءنا في بلاد الغرب، كما أنها تُصدَّر إلى بلادنا مع منتجات العولمة المادية والثقافية.

المحذورات تتراجع

المفهوم الجديد للمحرمات والمحاذير لم يعد قطعيًا، بل مسألة نسبية لها علاقة بالحفاظ على الصحة والثروة، وتحمل فلسفة جديدة بعيدة عن الوقاية والسلامة، على سبيل المثال، صار من غير الواقعي نصيحة شاب بعدم شرب الخمور، بل يُنصح بعدم الإكثار منها، حفاظًا على صحته، ومن غير الواقعي نصيحة الشباب من الجنسين بعدم إقامة علاقات محرمة، بل ينصحون بالحذر من الأمراض الناتجة عنها، ومن غير الواقعي نصيحة الشباب بالابتعاد عن المخدرات، بل ينصحون بالمخدرات الأخفّ، مثل الحشيش، لتجنب المخدرات الأخطر.

وقد تعايشت المجتمعات الغربية مع هذه الأمراض ونتائجها وتطوراتها، وأصبح الكلام عنها ضعيفًا رتيبًا، كأنه لا سبيل إلى التخفيف من آثارها، فضلاً عن مواجهتها وحصارها، فالحديث عن الشباب الذين يموتون بالخمور والمخدرات، أو يمرضون بسببها، أصبح زاوية مأساوية محزنة لا يفكر أحدٌ بمواجهتها بطريقة جدّية.

وقتلى حوادث السير بسبب الخمور تحولوا إلى أرقام ووقائع مؤسفة، والأطفال الذين يُلقَون في النفايات بعد ولادتهم، تهربًا من مسؤوليتهم، يتحولون إلى أخبار مؤسفة، تُنسى بعد أيام قليلة، وحوادث الإفلاس ودمار الأسر والبيوت بسبب إدمان المقامرات المختلفة لا تُحصى، لكنها تبقى خسائر جانبية في إطار محدد.

المصائب تولّد مصائب أشد منها

هذه المصائب لا تتوقف عند حد، بل هي في تطور مستمر، فمسألة تعاطي الخمور لم تعد اليوم مسألة إدمان وإتلاف صحةٍ ومالٍ فقط، بل تحولت إلى ما هو أخطر بكثير، إذ انتشرت الخمور المغشوشة بمواد مختلفة، كلها خطيرة، وأصبحت تقتل الشباب بأعداد أكبر من الخمور العادية، وبسرعة فائقة، والمخدرات المغشوشة بمواد سامّة تقتل الشباب بأعداد أكبر من المخدرات العادية، وبسبب سعرها الأرخص، فإن أغلب ضحايا هذه المواد هم من الشباب الفقير والعاطل عن العمل الذي يجد صعوبة في الحصول على المال، والمراهنات التقليدية في القمار انتشرت في كل مكان وتحولت إلى أنواع جديدة كثيرة تسحب الأموال وتهدم البيوت، لا سيما بيوت الفقراء ومحدودي الدخل الحالمين بالثروة السريعة.

هذه المفاهيم الجديدة كارثية على مجتمعات الغرب، لكن الحديث عنها خافتٌ وجبان، وكله يبقى في إطار البحث والتحليل وسرد الأرقام، وإبداء الأسف والتضامن، ولا يتعداه إلى أي محاولة جادة لوقف هذا النزيف.

طبعًا للموضوع بعدٌ آخر وهو الجهات المستفيدة، فوراء هذه السموم التي تقتل الشباب شبكات وعصابات وأفراد يصنعون هذه المواد ويبيعونها ويروجونها، وهؤلاء أصحاب نفوذ لا يخفى على أحد، وفي دفاعهم عن مصالحهم لا يألون جهدًا في مكافحة أي محاولة مجتمعية أو قانونية تحرمهم أرباحهم وتجارتهم.

هل أبناؤنا بعيدون عن هذا الخطر؟

أبناء الجاليات العربية والمسلمة ليسوا بعيدين عن هذه الأخطار، بل هم –في أحيان كثيرة- أكثر عرضة لها، خاصة مع الأسر محدودة الوعي والمعرفة، والأسر المنعزلة عن مؤسسات الجالية، وفي السنوات الماضية توفي عشرات منهم بمخدرات أو خمور مغشوشة، كما انتهى كثيرون منهم مشردين في الشوارع بسبب الإدمان أو المقامرات.

ومع العقلية السائدة في المجتمعات الغربية التي تفضل الحديث عن المشكلة دون مواجهتها، والتعاطف مع الضحايا دون مساعدتهم بجدية، فإن على كل أسرة أن تخاف كثيرًا على أبنائها من مستقبلٍ مجهول مرعب، وأن تعمل على تحصينهم وحمايتهم من هذا الواقع الخطير.

وكان من واقعية الإسلام في المجال التربوي أنه وضع الآباء والأمهات أمام مسؤوليتهم بشكل واضح، وحمّلهم مسؤولية الكلمة وصدقها، وطالبهم أن يكونوا قدوة لأبنائهم الذين يرون أن تصرفات الأهل صحيحة في كل حال، فالأب المدخن لا يدعو أبناءه إلى التدخين فحسب، بل لما هو أبعد وأسوأ من ذلك، ومهما تحدث هذا الأب عن مضار التدخين، فإن أبناءه لن يروا لكلامه أي فائدة، طالما هو مستمر في هذه العادة المدمرة.

والأب مطالب بحماية أبنائه وزوجته من كل ما يؤذيهم في الدنيا والآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: 6).

ومن جميل العلاج النبوي أنه لم يدع إلى اجتناب الحرام فقط، بل دعا إلى اجتناب ما هو أقل منه خطرًا، ففي الحديث المعروف يقول عليه الصلاة والسلام: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» (رواه البخاري).

إن فلسفة الإسلام لا ترضى بمعالجة الداء بعد انتشاره واستفحاله، بل تريد منا أن نبقى بعيدًا عنه، ولا نتعرض لأخطاره ومفاسده، وهي فلسفة حكيمة عظيمة، تخاطب العقل والقلب والضمير، وهو ما لم تستطعه أي فلسفة أخرى.

ويمكن للمرء أن يقارن تجربة المجتمع المسلم في منع الخمور بآية قرآنية وأمر رباني، حيث امتثل المسلمون للأمر في الحال، مع محاولة السلطات في الولايات المتحدة منع الخمور خلال الأعوام ما بين عامي 1920 و1933م ليرى الفارق الهائل بين المجتمعين، والرغبة الجادة الصادقة في التخلص من هذه المادة المعطلة لطاقات المجتمع والقاتلة لزهرة شبابه، مقابل المجتمع المتمسك بما يراه حرية شخصية، ولو كانت قاتلة، وبمعايير إنسانية، فإن المجتمع الأمريكي كان يجب أن يكون أكثر وعيًا بأضرار الخمور بعد هذه السنوات الطويلة من التجربة الإنسانية والمعرفية، لكن الذي غاب هو الخطاب الموجه إلى العقل والضمير، وكذلك غاب القلب المستعد لتلقي هذا الخطاب الرباني بإيمان وإذعان وتسليم.

البلد الطيب أو البيت الصالح

إن توفير جو الصلاح في البيت هو الأساس المبدئي لحماية الأبناء، وقد شدّد النبي صلى الله عليه وسلم على أمور تربوية كثيرة في تصرفات الوالدين أمام الأبناء، مثل الصدق والأمانة والاستقامة في الخلوات، وفي هذا الجو يؤمل في خروج أبناءٍ صالحين: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) (الأعراف: 58).

الصلاة هي، دون شك، الرهان الأكبر في تحصين الأبناء، وهي الأصعب عليهم، لأنها التزام يومي ينتزعهم من ملاهيهم ومشاغلهم وأوقات راحتهم، وهي تستهلك طاقة كبرى من المربين والمصلحين حتى يستقيم الأبناء عليها ويقوموا بها بدافع ذاتي إيماني، فلا غرابة من كثرة ذكرها والدعاء بها في القرآن الكريم: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: 17)، (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) (إبراهيم: 40)، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: 132).

ويبقى أمرٌ أخير لا بد من الإشارة إليه، وهو الانعزال الذي تعيشه أسرٌ كثيرة في بلاد الاغتراب، فهي لا تختلط بأسر أخرى ولا تذهب بأبنائها إلى المؤسسات التي أقامتها الجالية مثل المساجد والمراكز الثقافية، وهو ما يجعل هؤلاء الأبناء بعيدين جدًا عن ثقافتهم وحضارتهم ولغتهم، ويجعلهم أكثر عرضة للانحراف والاتجاه إلى المحرمات والمحظورات السابق ذكرها.

شاركها.