شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

زياد الصوفي

ما بين التحرير والتمكين مسافة لا تُقاس بالأميال، بل بالنضج الذي تكتسبه الأمم بعد الألم.

فالتحرير لحظة الانفجار الكبرى، ينكسر فيها القيد، ويعلو بها الصوت، وتفتح منها النوافذ نحو الضوء.أما التمكين، فهو اليوم التالي، حين نمسح الغبار عن المرايا، وننظر إلى أنفسنا بعيون جديدة ، فالتحرير يخلصنا من العدو، بينما التمكين وحده يخلّصنا من ضعفنا.

لم يكن تحرير دمشق في كانون الماضي مجرد نهاية حرب، بل إعلان عن زمن جديد في تاريخ سوريا، زمن العقل بعد الغضب، وزمن البناء بعد أن هُدم كل شيء في الإنسان والحجر معًا.

البلاد تمضي اليوم في مسار العدالة الانتقالية، ليس بروح انتقام، بل بروح دولة تُنصف لا تُظلم، تهدم جدران الخوف بصمت ناطق، كأنها تقول:العدل لا يصرخ، بل يُقيم الحُجّة..

ونراها تعود إلى العالم من بوابة الشرعية، لا من هامش الاستثناء، فتطرق أبواب العواصم التي تفتقد وجودها، وتستعيد مكانها الطبيعي بين الأمم الطبيعية بعد سنوات من التحالف مع أنظمة شاذة سياسياً..

تلك اللحظة تذكّر بما دوّنه التاريخ عن فتح مكة.
فكما دخل النبيّ عليه الصلاة والسلام المدينة مطأطئ الرأس، لا يحمل في يده سوى الرحمة، دخل السوريون عاصمتهم بلا صراخ ولا ثأر، بل بعزم أن ينتهي زمن القهر، لا ليبدأ قهر جديد ، و أن تُغلق السجون لا لتُفتح بأسماء جديدة، وأن يُكتب على جدران المقرات القديمة:
“من اليوم، الأمن للناس لا عليهم”.

في مكة، كان الفتح انتقالاً من الاستضعاف إلى الرسوخ، وفي الشام، كان الانتقال من ثورة الغضب إلى مشروع الدولة.

هنا دخل السوريون عهدًا جديدًا من الوطنية الجامعة، لا قومية ضيقة، ولا طائفية متربصة، ولا أقليات منحت صفة الأكثرية لباقي الناس عبر تصنيف نفسها كأقلية، بل وطن أعاد تعريف نفسه بعد أن فرضت عليه الفوضى، وطوى صفحات الظلم ليشرع صفحات المستقبل..

في مكة سقطت أصنام الحجارة، وفي دمشق سقطت أصنام الخوف ، الأولى حُطمت بالأيدي، والثانية تهاوت في القلوب.
أما النصر في الحالتين، لم يكن للجيش فقط، بل للفكرة أيضاً ، والتمكين لم يكن بالغلبة، بل بالقدرة على الغفران دون نسيان، و بالبدء دون إنكار الألم..

وبعد أن بدأ زمن التمكين السوري…

زمن الدولة التي احتاجت إلى الحزم والعدالة التي تُلامس القلوب قبل أن تُلزم الجميع بالاحترام ، زمن السياسة النظيفة بعد أن كانت اللغة الوحيدة الرصاص، زمن المؤسسات التي تعود لتخدم الإنسان لا أن تخضع له، زمن المدن التي تتنفس من جديد، والطرقات التي تلمع تحت أقدام أبنائها، وزمن العلاقات الطبيعية مع العالم، بعد أن استعادت سوريا مكانها الطبيعي بين الأمم، لا على هامش النزاع ولا في زوايا الإقصاء، بل على مقاعد الشركاء، حيث يُحتفى بها ويُستمع إليها..

وكما قيل في مكة: “اليوم أكملتُ لكم دينكم”، قيل في الشام: “اليوم استعدنا وطننا”.
وما بين الكلمتين، مسيرة أمّة وجدت نفسها مرتين، مرة حين تحررت، ومرة حين تمكّنت.

لم يكن النصر بسقوط أبو لهب أو أبو حافظ فقط، بل أن تقوم الدولة على قدميها، وأن تنظر دمشق في المرآة فتجد وجهها أخيرًا، لا وجه جلادها.

وفي الختام ،قبل موعد آخر أقول:
ويلٌ لمن لا يقرأ التاريخ…
ها هي الدروس تتكرر بين مكة والشام، فالتمكين ليس هتاف على الأسوار، ولا سقوط للأعداء على الأرض، بل كأن رداء مثيل لرداء الكعبة وُضع على كتف الشام، رمزًا للقداسة التي استعادها الوطن، وللحرية التي ارتدت على قلوب أبنائها بعد طول غياب.

 

شاركها.