شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

الشيخ مظهر الحموي

رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى 

قد ينتقدني البعض موضحاً بأننا أمة لا طائفة. أقول: هذا كلام صحيح، ولا بد لنا في هذا المجال من أن ننوه بعدم قبولنا هذا المصطلح الذي أجبرنا على نسبتنا إليه، وذلك لضرورات إعلامية وإيضاحية.

ولا بد لنا في البداية من مناقشة مصطلح “الطائفة السنية” الذي جرى لصقنا به، لنلفت أننا منذ الفتح الإسلامي لساحل بلاد الشام نعتز بأننا مسلمون انطلقنا لنشر الرسالة الإسلامية والذود عن المنطقة، والتأسيس لحضارة مشرقة وإنسانية.

ولا يزال كبار السن يذكرون الهوية الحمراء، التي لم يكن يُشار فيها إلى مذهب المسلم بأنه سني، بل تكتفي الخانة بإيراد أنه مسلم، وهذا دليل على أننا كنا نؤكد ارتباطنا بالدين الحنيف دون أن نهتم بإيلاء المذهبية السنية شعاراً لنا على بطاقة الهوية، يكفي أننا اتباع الإسلام العظيم. وهذه حقيقة يجب أن يعيها المسلمون قبل غيرهم، وهي الصفة التي يفتخر بها المسلمون من جاكرتا شمالاً إلى الرباط غرباً، دون أي محاولة للرضوخ لمن يريد تجزئتنا وشرذمتنا.

ولسنا في حاجة إلى توضيح دور المسلمين السنة في لبنان، علماً بأننا نتحفظ على التوصيف مذهبياً بـ(السنة)، حيث تؤكد الآية الكريمة: “هو سماكم المسلمين”، ولكننا بصورة مؤقتة وعملاً بالعرف السائد في لبنان سنعتمد هذا المصطلح الذي نتحفظ عليه.

نحن في لبنان كنا الأكثر حرصاً على الوئام والعناية بالآخر، واحتضانه والحفاظ على معتقداته وشعائره والذود عنه.

نحن السنة في لبنان لم ننغمس في لعبة التناحر والاقتتال عام 1860 وما أفرزته القائمقاميتان ثم المتصرفيات من شحن طائفي ومذهبي عمّ معظم المناطق والمذاهب، ما عدا المسلمين السنة ومناطقهم ومدنهم الساحلية منها خاصة.

المسلمون السنة في لبنان كانوا الأكثر وعياً لما يحاك لهذه البلاد من مكائد ومؤامرات، عملوا على التصدي لها وإفشالها والدفاع عن ثغور الساحل من الإسكندرية إلى الإسكندرون، وكانوا رأس حربة في وجه كل الطامعين.

المسلمون السنة لم يتعاونوا مع المستعمر الإنكليزي أو الفرنسي، بل بذلوا الدماء رخيصة في سبيل إخراجه من البلاد.

أهل السنة في لبنان لم يعمدوا إلى تمزيق الأمة بأحزاب متناحرة وتيارات فكرية قومية وشيوعية وماركسية، وغيرها من عوامل الانفراق والإنشقاق. صحيح أن امتدادهم الحضاري والعقائدي والتاريخي ينسحب على أرجاء المحيط العربي، ولكنهم حافظوا على لبنان وحرصوا على تطوير هذا النموذج الفريد من وطن التعايش والحوار والجوار بين سائر الطوائف.

وكان المسلمون السنة منذ قبل الاستقلال الشريك الأساسي في بناء الدولة، وبذلوا أمثلة في التضحيات حتى يستقر هذا الوطن ويطمئن الآخرون إلى شموخنا وآبائنا. وخير مثال على ذلك أن الشيخ محمد الجسر رحمه الله كاد أن يصل إلى سدة رئاسة الجمهورية اللبنانية في الثلاثينات، ولكنه بعد الضغوطات (ومن يقرأ التاريخ يعلم التفاصيل) عزف عن المضي في الترشيح حرصاً على إشاعة الاطمئنان في نفوس غير المسلمين.

وليس خافياً على أحد مغزى تسمية الممثل الأعلى للمسلمين في لبنان، مفتي الجمهورية اللبنانية، وهو دليل آخر على عراقة الوجود الإسلامي السني إن جاز التعبير. ونأسف مجدداً لإيراد هذه الكلمة التي نربأ أن تقزمنا وتحيلنا إلى فئة دينية مثل سائر الأقليات المتواجدة في لبنان.

فهل نعود بالذكرى إلى الأحداث الأهلية الأليمة التي ولّت إلى غير رجعة إن شاء الله، لنلفت إلى حرص المسلمين على منع التقسيم والشرذمة، وعلى إيمانهم بوحدة البلاد والحفاظ على الأمن والاستقرار.

هل نستعيد دور رؤساء الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في رعاية المصالح العامة والذود عنها في وجه المستغلين والمتآمرين، فدفع ثلاث رؤساء حكومة ورجال دين دمهم بدءاً من الرئيس رياض الصلح، ثم الرئيس رشيد كرامي، فالرئيس رفيق الحريري، دون أن ننسى محاولة اغتيال الرئيس سليم الحص، فضلاً عن اغتيال المجاهد سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد وسماحة الشيخ صبحي الصالح وسماحة الشيخ أحمد عساف وغيرهم (يرحمهم الله) ممن كانوا يجأرون بكلمة الحق ويذودون عن وحدة البلد وأمنه واستقراره، ولأنهم كانوا يتصدون للمؤامرات المتلاحقة.

وهل ننسى ما يتعرض له رؤساء الحكومات من سهام النقد والتشهير دون غيرهم من الرؤساء، على الرغم من أنهم كانوا يُسألون ولا يَحكمون، في حين أن الآخرين يَحكمون ولا يُسألون.

ولم يكن حظهم في وثيقة الطائف بأفضل مما قبله، عندما كُرس للرئاستين الأولى 6 سنوات، وللثانية رئاسة المجلس النيابي أربع سنوات، فيما بقي منصب رئاسة الحكومة عرضة للتجاذبات والاهتزازات، ورأي الغالبية من النواب، حتى أن رئيس الحكومة المكلف لا يستطيع تأليف أي حكومة (كما يرى الجميع في كل مرة) إلا برضى الرئاستين والرضوخ لمطالبهما في تمرير بعض الوزراء المحسوبين عليهما، ورغم ذلك لا يستطيع ترأس مجلس الوزراء إذا حضر رئيس الجمهورية وقلما يتغيب هذا الأخير.

ولن نتطرق إلى المساءلة الحادة التي يتعرض لها رئيس الحكومة في كل أزمة، ليس هو من افتعلها، بل غيره من الرؤساء والوزراء والساسة اللبنانيين وغيرهم.

في الحقيقة، أننا نأسف بأن نلجأ إلى إيضاح بعض الحقائق التي ربما غابت، أو في الحقيقة يجري تجاهلها عمداً من قبل الذين يعلمون فعلاً دور المسلمين السنة في لبنان، ويعمدون بين الحين والآخر إلى الغمز واللمز، إن لم نقل التجريح، فضلاً عن المغالطات بحق طائفة هي من أبرز مكونات الكيان اللبناني، بل وفي مقدمة الذائدين عنه في عدة محطات ومفاصل هامة، ومن أبرزها التضحية بالعشرات من رجالاتها.

ألا فليرتدع المشككون، ويصححوا مواقفهم وينصاعوا للحقيقة والتاريخ، فالمسلمون (السنة) هم في مقدمة من يتمسكون بالدولة ومؤسساتها في لبنان، وهم أصحاب الغيرة على هذا البلد، وهم رسل حضارة وخير ورحمة للعالمين.

شاركها.