المحامي جيمي فرنسيس
منذ وقف إطلاق النار الأخير، يتساءل كثيرون عمّا إذا كان حزب الله قد تمكن من ترميم نفسه عسكرياً وتنظيمياً، كما تفعل التنظيمات العسكرية بعد أي حرب. فإعادة بناء أي مؤسسة عسكرية لا تقتصر على إصلاح الأضرار المادية، بل تتعداها إلى مراحل دقيقة ومتسلسلة تهدف إلى استعادة الجهوزية والقدرة على العمل بفعالية.
لا شك أن الحزب يمتلك رغبة شديدة في إعادة ترميم قدراته بعد الحرب الأخيرة، ولذلك يمكن إسقاط معايير إعادة الترميم المؤلفة عادة من سبع مراحل على تنظيم حزب الله، لمعرفة إلى أي مدى قطع أشواطاً في هذا المسار.
المرحلة الأولى، ومدتها نحو أسبوعين، تبدأ فور وقف إطلاق النار وانتهاء القتال، وتُعرف بمرحلة التقييم والتشخيص. في هذه الفترة تُحصى الأضرار وتُجمع البيانات وتُحلّل الثغرات التي ظهرت أثناء المعارك وبعدها. وفي حالة حزب الله، تشير المعطيات إلى أن هذه المرحلة بدأت سريعاً، من خلال تقييم الخسائر الميدانية والبشرية، وإعادة وضع تصوّر لتوزيع القوات ضمن بيئته الجنوبية والبقاعية، بما يضمن استمرار الانتشار الأمني والسيطرة على الأرض.
المرحلة الثانية، التي تمتد حتى الشهرين التاليين، هي مرحلة الاستقرار والأمن. هدفها تأمين المواقع الحساسة وحماية المخازن والعتاد، وإعادة ضبط الانضباط الداخلي مع الحفاظ على سرية ما تبقّى من المخازن قدر الإمكان. في هذه المرحلة، عمل الحزب على ترميم نقاط الانتشار الدفاعية في الجنوب، وتأمين بيئة آمنة تحول دون أي اختراق أو فوضى داخل مناطقه.
تأتي بعدها مرحلة إعادة التنظيم، التي تلي عادة مرحلة الشهرين وتمتد إلى الشهر الثالث بعد الحرب، حيث يُعاد بناء الهيكل القيادي وتوزيع المسؤوليات. في هذه المرحلة تُراجع الخطط السابقة وتُعدّل وفق الدروس المستخلصة من المواجهة. وتشير المعطيات إلى أن الحزب أجرى تعيينات داخلية على مستوى قياداته الميدانية والأمنية بعد فقدانه الصفوف الثلاثة الأولى، كما أعاد التموضع على صعيد القيادات الأخرى بهدف تعزيز الجهوزية وتقليص الثغرات التي ظهرت خلال الحرب.
أما المرحلة الرابعة، الممتدة من الشهر الثالث حتى التاسع، فهي مرحلة إعادة البناء المادي وتشمل إصلاح القواعد والمخازن وتجديد العتاد. إلا أن الواقع بعد وقف إطلاق النار ليس كما قبله، فصحيح أن الحزب يمتلك بنية تحتية واسعة تمكّنه من ترميم قدراته بسرعة، خصوصاً بفضل الدعم التقني واللوجستي الذي كان يتلقاه من الخارج، إلا أن التغييرات الإقليمية واستمرار إسرائيل في استهداف قواعده ومخازنه وحتى معداته “المدنية” جعلت هذه المرحلة تتأخر وتتعثر. ووفق تقارير عدة، ركّز الحزب خلالها على إعادة تفعيل خطوط الإمداد رغم التغيرات في سوريا، فعمل على إيجاد طرق جديدة برّاً وبحراً، ما دفع الدولة السورية إلى الإعلان أكثر من مرة عن ضبط شحنات متجهة إلى لبنان. كما تحدّثت تقارير أخرى عن نقل الحزب جزءاً من أسلحته من مستودعاته في الأراضي السورية إلى الداخل اللبناني وتوزيعها في منطقة البقاع. وغالباً ما تترافق هذه المرحلة مع تعزيز التحصينات الدفاعية، في إشارة إلى الاستعداد لأي جولة جديدة، إلا أن ذلك تعذّر عملياً، خصوصاً في المنطقة الجنوبية.
تليها مرحلة إعادة التأهيل البشري، التي تمتد بالتوازي مع المرحلة السابقة، من الشهر الرابع حتى العاشر تقريباً. في هذه المرحلة يُركَّز على التدريب النفسي والمعنوي واستعادة الكفاءة القتالية. ويُعرف عن الحزب اهتمامه بالتدريب المستمر لعناصره ورفع معنوياتهم عبر خطاب ديني-عقائدي يربط المعركة بالمقدّس والمصير. ومن مؤشرات هذه المرحلة التحضير لخطاب “حرب كربلائية”، وحشد الآلاف في يوم الكشاف، إضافة إلى التهديدات الجديدة التي أطلقها الحزب عن استعداده لاحتلال الجليل. كل ذلك يؤشر إلى محاولته إعادة بناء الثقة داخل صفوفه وتهيئة عناصره لمعارك محتملة.
بعدها تبدأ مرحلة إعادة التكامل العملياتي، التي تلي مهمات المرحلتين الرابعة والخامسة وتمتد من الشهر التاسع إلى حدود مهلة السنة تقريباً. في هذه المرحلة ينشط التنسيق بين الأذرع المختلفة عبر مناورات داخلية تهدف إلى اختبار قدرة العناصر على تنفيذ مهامهم الجديدة، والتأكد من فعالية الدمج بين الوحدات. وتشير بعض المعلومات إلى انقسام داخل الحزب بين جناح عسكري يدرك استحالة تنفيذ هذه المرحلة في ظل الوضع الراهن والمراقبة الإسرائيلية المستمرة، وجناح آخر، يتكوّن من جزء من الجهاز العسكري والجهاز الأمني الذي لم يتضرر خلال الحرب، يرى ضرورة العودة إلى المبادرة عبر عمليات ضد إسرائيل. وقد نقل هذا الجناح مطالبه إلى الحرس الثوري الإيراني، معتبرًا أن القيام بعملية في هذا التوقيت قد يعيد ثقة الجمهور بالحزب، بعدما بدأ هذا الجمهور يشعر بعبء السلاح الذي يجلب استمرار الحرب ويعطّل إعادة الإعمار. إلا أن طهران، بحسب المعلومات، وعبر علي لاريجاني منعت الحزب من القيام أي عمل حالي ضد إسرائيل.
يضاف إلى ذلك أن الاتفاق الأخير حول التفاوض مع إسرائيل يشكّل بدوره مرحلة إضافية ضمن عملية ما بعد الحرب، إذ يُنتظر أن يكون نهاية العام الحالي موعداً مفصلياً في هذا المسار، حيث يُفترض – وفق الموفدين الدوليين – أن يسلم الحزب سلاحه خلال هذه الفترة، وإلا فستعود الحرب مع استمرار التفاوض تحت النار، تماماً كما انتهت جولة غزة، مع فارق أن في لبنان الحديث يدور حول تسليم السلاح، بينما في غزة كان الأمر يتعلق بتسليم الأسرى.
أما المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة التطوير المستدام، فتشمل عادة تحديث العقيدة العسكرية والتحوّل الرقمي وتوسيع التعاون الخارجي. غير أنّ الحزب، برأيي، لن يصل إلى هذه المرحلة طالما بقي قوة عسكرية قائمة خارج إطار الدولة. فالأجدى به أن يطوّر عقيدته الفكرية والتنظيمية وأن يعترف بأن هذه الحروب لم تعد تحقق أهدافها، وأن مصيره بات محصوراً بين خيارين: إمّا تحديث العقيدة وتغيير النهج، وإمّا الانتحار السياسي والعسكري.
خلاصة القول، إن قراءة منهجية لمراحل ترميم المؤسسات العسكرية بعد الحروب تُظهر أن حزب الله ربما تمكن من استعادة جزء من قوته وإعادة ترميم بعض قدراته، لكن قدرته على الالتزام بالمهل الزمنية اللازمة لإتمام عملية الترميم تبدو شبه مستحيلة، في ظل استمرار إسرائيل في حربها المفتوحة عليه، ومنعه من إحراز أي تقدم فعلي ما بعد المرحلة الثالثة ما يجعل إعادة البناء الكاملة أمراً مؤجلاً إلى أجل غير مسمّى أو بعبارة أخرى … إلى أبد الآبدين.
