لا يخفى على المتابعين عن كثب للحراك الإنتخابي الذي تخوضه القوات اللبنانية في مختلف الدوائر قائم على مبدئيتين، سيادية وإصلاحية لتغيير ليس المنظومة الحاكمة فحسب واستبدال أشخاص بآخرين، بل باستبدال نهج الحكم القائم على الغطاء المشترك بين الفساد والسلاح غير الشرعي وما بينهما من محاصصة وزبائنية على حساب الكفاءة والنزاهة. من هذا المنطلق ينبغي الحكم على أداء القوات سواء لجهة التحالف مع هذا الطرف أو ذاك، كما لعدم التحالف مع هذا الطرف أو ذاك.
إنطلاقاً من هذا الإطار، ينبغي بحث انسحاب القوات اللبنانية من المعركة الإنتخابية في دائرة الجنوب الثالثة الذي أعلنه وعلّله رئيس القوات سمير جعجع بعد استنفاذ جميع السبل للوصول إلى الحد الأدنى من التوافق الذي لا يتعارض مع الثوابت التي تنطلق منها القوات على الرغم من خفض سقف الشروط القواتية البديهية لحزب سياسي يشكّل رأس حربة مواجهة سلاح وممارسات “ح ز ب الله” من جهة والفساد المعشش المحمي منه من جهة ثانية.
التنازلات التي قدّمها جعجع في دائرة الجنوب الثالثة لم يُقدم عليها في أي من الدوائر الأخرى على الرغم من الحصار ومحاولات الإلغاء التي تتعرّض لها القوات في كافة الدوائر، فوافق أولاً على سحب مرشّح القوات، ثم وافق على دعم مرشح مستقل، ووافق أيضاً على أن يكون هذا الدعم سرياً من دون أن تلقى تلك التنازلات أي إعلان للائحة المعارضة المزعومة للثنائي الشيعي لأي موقف يؤشر إلى توجهها السيادي الرافض للسلاح غير الشرعي على الرغم من وجود بعض المرشحين الذين يؤيدون توجّه القوات فيما خص مسائل جوهرية، إنما التوجّه العام للائحة لا يختلف كثيراً عن توجّهات “ح ز ب الله” بحيث لا تشكّل المعركة في تلك الدائرة منافسة بين مشروعين تستحق التضحية بقدر ما تشكّل تقاسم أدوار بين الممانع الأصيل والوكيل.
مصدر متابع للإتصالات التي سبقت إعلان جعجع عدم المشاركة في انتخابات الجنوب الثالثة وصف قرار جعجع بالبديهي وبأن التنازلات التي قدّمها كانت كافية للطرف الآخر للتأسيس عليها وتقديم الخيار الآخر للناخب الجنوبي ويمكن للقوات تسويقه تجاه ناخبيها في المنطقة، وأضاف بأن هذه اللائحة تجسّد فعلياً الشعار الذي أطلقته القوات في حملتها الإعلانية بحيث أنها تضم مرشحين “بدن وما فين” كما تضم أشخاصاً “فين وما بدن” فكيف يعقل أن تدعم القوات لائحة أحد أبرز مرشحيها حسن بزي يدافع عن سلاح “ح ز ب الله” أكثر من الحزب نفسه، ويجاهر بأن المبعدين “حقن رصاصة”؟ عندما تصل الأمور إلى هذا الحدّ تقف التنازلات ومع انعدام البديل تصبح المقاطعة ترشيحاً واقتراعاً واجب وحق، وكل ما هو عكس ذلك يشكّل التواطؤ بعينه من خلال تأمين الغطاء للوضع الشاذ القائم، أما الإدعاءات حول مساومة حصلت بين القوات والثنائي فلا تستحق التوقف عندها طويلاً وتدحضها وقائع المعركة المحتدمة في دائرة بعلبك-الهرمل التي يعتبرها “ح ز ب الله” أم المعارك لإسقاط نائب القوات أنطوان حبشي والفوز بالمقاعد العشرة فيما طبيعة المعركة وأرقامها تؤكد بأن النائب حبشي قادر على الإحتفاظ بمقعده عدا عن أن مبدأ المساومة مرفوض أساساً.
