شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د. خضر السوطري

تبدو ملامح مرحلة جديدة تتشكل في سورية، عنوانها الأبرز استعادة الهوية الوطنية، ليس فقط في الشعارات والخطابات، بل في السياسة والواقع الميداني. ومن أبرز تجليات هذه الهوية الجديدة، الشعار البصري الرسمي للدولة السورية، الذي أعيد تصميمه مؤخرًا، حيث يظهر نسرٌ باسطٌ جناحيه محلّقًا في السماء، يحمل على كل جناح سبع ريشات، في تعبير رمزي عن المحافظات السورية الأربع عشرة. نسرٌ ينهض من رماد المرحلة السابقة، ليستعيد زمام السيادة، ويعلن انطلاقة جديدة نحو وحدة البلاد.

في هذا السياق، لم يأتِ خطاب الرئيس أحمد الشرع بالأمس بعيداً عن هذه الهوية البصرية الجديدة، بل جاء تأكيداً واضحاً أن المرحلة المقبلة هي مرحلة بسط السيادة على كامل الجغرافيا السورية، بما في ذلك مناطق سيطرة “قسد”، التي ما تزال تتحكم بثلاث محافظات سورية في الشمال الشرقي، بدعم خارجي لم يعد يخفي تصدعه.

الموقف الدولي بدأ يتغير. فـالتحالف الدولي أبلغ الحكومة السورية مؤخراً أنه لن يتدخل إن قررت دمشق شنّ عملية عسكرية لاستعادة تلك المناطق. وفي تطور لافت، تم طرد وفد “التحالف الوطني الكردي” من دمشق، دون مقابلتهم، مع الطلب منهم مغادرة العاصمة فوراً. وهذا الموقف يعكس قطيعة واضحة مع مشروع قسد، خاصة بعد تسرب معلومات أمنية تشير إلى تورط عناصر تلقوا تدريبهم في مناطق قسد بعملية التفجير الإرهابية الأخيرة في إحدى الكنائس السورية.

من ناحية أخرى، تزداد المؤشرات على انهيار قسد من الداخل: انشقاقات واسعة في صفوفها، تحركات من وزارة الدفاع السورية نحو خطوط التماس في الحسكة والقامشلي، بل وتناقل أنباء عن طلب مظلوم عبدي نفسه الحماية من الرئيس الشرع. في حين تشير مصادر تركية (القناة التاسعة) إلى أن سلاح الجو التركي بدأ تذخير طائراته بقنابل خارقة للتحصينات لتدمير أنفاق يصل عمقها إلى 30 متراً في مناطق سيطرة قسد.

الحديث عن تفاهم ثلاثي (سوري – تركي – أمريكي ضمنياً أو عبر التخلي) لإنهاء وجود قسد، لم يعد سراً. ويبدو أن الجيش السوري الجديد، الذي يزداد قوة وتنظيماً كل يوم، بات جاهزاً لحسم هذا الملف عسكرياً، أو لاستيعابه سلمياً إن رغبت قسد بذلك.

من المؤكد أن السياسة السورية الحالية – بسياسة الصبر والمناورة – كانت تهدف إلى تقليل إراقة الدماء، وفتح باب التسويات لمن أراد العودة للدولة دون قتال. وقد ترافق ذلك مع إصدار عفو عام، وترك ممرات مفتوحة للمنشقين والمغرر بهم.

والآن، وقد تكشفت عزلة قسد، وتخلّى عنها معظم داعميها، هل سيكون الخيار الأخير هو الاستسلام للدولة؟ أم ستصرّ على مسار الانتحار السياسي والعسكري؟
في كل الأحوال، فإن عودة الجزيرة السورية إلى حضن الوطن باتت أقرب من أي وقت مضى، لتكتمل صورة النسر السوري الجديد، محلّقاً بجناحيه فوق أرض لا تُقسم، ولا تُباع.

شاركها.