شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب أحمد الأيوبي في نداء الوطن

إنتهت مرحلةُ صَبْغِ المناطق السنية وشبابها بالإرهاب وتوقّفت موجات الاعتقال العشوائية وتركيب الملفات في إطار التشويه الاستراتيجي لعموم أهل السنة في العراق وسوريا ولبنان… وانكشفت حقائق التعاون بين تنظيمات التطرف المتناقضة شكلاً والمتحالفة مضموناً وفي تبادل الأدوار، ما أدّى إلى نوع من الاستقرار النسبي في الساحة السنية اللبنانية بعد ترسيخ سياسة التوازن المعتمَدة من الجيش اللبناني وجفاف منابع الاستقطاب البشري، مع استيقاظ الوعي السنّي تجاه ظاهرة صناعة التطرّف وكيفية التعامل معها ووقف الانزلاق إليها.

لا يلائم هذا الاستقرار «حزب الله» الذي لا يخفي عمله الدؤوب على تعزيز نفوذه في الساحة السنية من خلال ما يسمّى «السرايا اللبنانية للمقاومة»، وهي تشكيلٌ عسكريّ أنشأه لاستيعاب غير الشيعة الراغبين في المقاومة وشملت في بداياتها كلّ الساحات: المسيحية والسنية والدرزية، لكنّها فشلت في المناطق المسيحية وبقيت محدودة في المناطق الدرزية، بينما انفلشت إلى حدود كبيرة في المناطق السنية.

اللافت للانتباه أنّ «حزب الله» غير حريص على تشكيل «السرايا اللبنانية للمقاومة» في مناطق الشريط الحدودي الجنوبي السنية والمسيحية، بل يكتفي بإبراز بعض الحالات الاستعراضية مثل النائبين قاسم هاشم والياس جرادة، ربما لعدم ثقته بمن يوالونه لتسليمهم السلاح وكأنّ المقاومة حق شيعي حصري في المساحات المعرّضة نظرياً لخطر الاحتلال المباشر وعدوانه المحتمل.

وبعيداً عن الشريط الحدوديّ، إلى أقصى الشمال في طرابلس وعكار والمنية وعميقاً في الداخل نحو البقاع وفي أحياء بيروت السنية… ينتشر سلاح ما يسمى «سرايا المقاومة» مما يتيح لأعضاء هذه السرايا تحقيق اختراقات أمنية تظهر تجلياتُها عند انكشاف ممارساتها.

تتشكل «سرايا المقاومة» في معظمها من شباب متسرّبين من أحزاب وتجمعات متهالِكة ومن بعض الواجهات التي تناكف النسيج السني سياسياً وأمنياً وإعلامياً، وهذا يفسّر دورها في خَلْقِ الانقسامات في المشهد السنّي ومعاكسة التوجهات السنية نحو مشروع الدولة، فضلاً عن إشاعة الفوضى وتعطيل الاقتصاد في المناطق الشعبية خصوصاً حيث يتغلغل عناصر هذه السرايا.

لم تستطع جلساتُ الحوار التي ناهزت الخمسين بين «تيار المستقبل» و»حزب الله» أن تصل إلى تفكيك «سرايا المقاومة» في المناطق السنية، ربما لأنّ «التيار» لم يكن جدّياً في هذا الطرح وكان الوزير السابق نهاد المشنوق الوحيد الذي قارب هذا الملف بطريقة جدّية وأعطاه الاندفاع في الإعلام والسياسة حينها، لكنّ النتيجة كانت انتهاء الحوار من دون تحقيق أيّ تراجع من «الحزب» عن اقتحام الساحة السنية عسكرياً وأمنياً بالتوازي مع اختراقاته السياسية والنيابية.



الجديد في ما يجري الآن هو اجتذاب السرايا من لديهم محاذير أو إشكالات بسيطة ومن يعاني من مشاكل قانونية بالإضافة إلى رؤوس المجموعات الباحثة عن غطاء، ومئات من الشباب العاطلين عن العمل والمتسرّبين من المدارس والغارقين مع عائلاتهم في هذا الانهيار الكبير… وهؤلاء يستفيدون من تأطيرهم عسكرياً وأمنياً لعدم الامتثال للقضاء ورفض الخضوع للقوى الأمنية بحصانة «المقاومة»، الأمر الذي يحوّلهم تدريجياً إلى مطلوبين للعدالة وخارجين على القانون وذوي ملفات أمنية.

هذا المسار بدأ يثير قلق النواب السنة المستقلين سواء في طرابلس أو بيروت أو البقاع، لأنّه تحوّل إلى ظاهرةٍ تتوسّع تدريجياً من دون أن تتشكّل رؤيةٌ لكيفية مواجهتها وهي قد تُشكِّل قريباً مصدَراً لإعادة تفجير المناطق السنية، من خلال تحوُّل هؤلاء المطلوبين مع الوقت إلى مصدر صدامٍ وتفجير مع الأجهزة الأمنية كبديل عن ملفات الإرهاب سيئة الذكر التي باتت منتهية المفعول، ما يستدعي الانتباه إلى ما يجري ومنع استفحاله ونزع فتائل التفجير قبل أن تصبح عصيّةً على التعطيل.

شاركها.