شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

تشكّل وجهة أصوات نواب زحلة في تسمية مرشّحهم لرئاسة الجمهورية، خلال الجلسة الانتخابية الثانية عشرة التي ستنعقد يوم غد الأربعاء، نموذجاً عن التسويات غير المستحيلة التي تناقض التحالفات الانتخابية. فإذا كان التقاؤهم على المستوى اللامركزي الخدماتي قد أثبت فشله، إثر الدعوة التي وجهها إليهم رئيس بلدية زحلة بعيد انتخابات العام الماضي، فإن للالتقاء السياسي العامودي مبررات عدة، وإن لم تكن كافية لتوحيد صفهم. هو التقاء على القطعة فيما بينهم، أو “تقاطع مصالح”. وهذه المصلحة تتطلب حالياً “إسقاط مرشح حزب الله، ومواجهة فوقيته”. وهذا ما يثبت نظرية قدرة المحاور الطائفية خصوصاً على جمع الأضداد، ضد مسألة أو توجه أو مرشح، وليس مع القضايا التي تعني مجتمعاتهم مباشرة.

خارج السرب
تتذكر زحلة في كل استحقاق أنها فقدت صوتها في البرلمان، الذي تشتت إما على طاولات الأحزاب وكتلها النيابية أو بسببها. ويعتبر الزحليون أن هذا التشتت جعلهم ينضمون إلى لائحة الدوائر الانتخابية المنسية على المستوى الإنمائي. وعليه، يشكر الزحليون حزب الله على طرحه “الفوقي” لترشيح فرنجية، كونه منح زحلة صوتاً شبه جامع في الاستحقاق المنتظر.

فالمحاولات المحلية لخلق كتلة نيابية إنمائية، حجّمتها “الكيمياء” المفقودة بين أكثر من نائب زحلي انتخب في الدورة الأخيرة.. إلى أن فعلتها جلسة الانتخاب الثانية عشرة لرئيس الجمهورية، فوحّدت أصوات خمسة من سبعة نواب من زحلة لمصلحة مرشح المعارضة جهاد أزعور، بمقابل صوتين فقط لسليمان فرنجية، أحدهما بدا مغرداً بخلاف المزاج المسيحي العام، تسديداً ربما لفاتورة الفوز بكرسيه النيابي بأصوات ممانعة.

جورج عقيص، الياس إسطفان من كتلة القوات اللبنانية، سليم عون من كتلة التيار الوطني الحر، ميشال ضاهر المستقل، وبلال الحشيمي المستقل، هم النواب الذين سيصوتون لأزعور في جلسة غد. فيما سيصوت لسليمان فرنجية نائب حزب الله رامي أبو حمدان، ولكن أيضاً النائب الذي رشّحه حزب الطاشناق على لائحة تحالفه مع حزب الله والتيار الوطني الحر جورج بوشيكيان. ومن عند الأخير يبدأ الحديث.

المعرفة الشخصية أولاً!
فجورج بوشيكيان يعتبر نفسه متحرراً من قرار حزب الطاشناق المركزي بانتخاب رئيس الجمهورية. وذلك لكونه فُصل من الحزب سابقاً كما يقول. وعليه، وإن كان هواه لا يزال عند حزب الطاشناق، فقراره في هذا الاستحقاق بيد الجهّة التي أمّنت له الأصوات الكافية ليفوز بمقعده النيابي في الانتخابات النيابية الماضية. إلا أن بوشيكيان يرفض هذا التحليل، ويقول “توجهي واضح مع سليمان فرنجية. الذي هو مرشح مسيحي ماروني ولديه مواقف وطنية”. وإذ يربط التصويت بمعرفته الشخصية لفرنجية ولتاريخه، يقول “أن جهاد أزعور لا اتصل بي، ولا أعرفه ولا معلومات لدي عنه إلّا مما أقرأه عنه في الصحف، فهل أصوّت لشخص لا أعرفه؟”.

نقول له بأن المعرفة الشخصية ليست عاملاً حاسماً في انتخاب الرئيس، إنما نحن نتحدث عن فريقين بوجهتين مختلفتين، واحد منهما يضم أغلبية الصوت المسيحي، فيعتبر “أن لكلّ رأيه ومبادئه، أنا يهمني أن أكون على معرفة للشخص ولممارسته. والوزير فرنجية لديه تاريخه ووجوده ونعرف مصداقيته ومواقفه”.

التوازن السلبي
وعليه، يبدو جورج بوشيكيان ملتزماً بالتغريد خارج السرب المسيحي المجمع على وجهة التصويت الذي “يرفض الفرض” كما لخص النائب ميشال ضاهر موقفه من ترشيح أزعور. فوجد ضاهر نفسه في جبهة واحدة مع القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، بعد أن كان يتمايز عنهما بتذكية قائد الجيش جوزف عون لرئاسة الجمهورية.

يقول ضاهر لـ”المدن”: “كنت متوجها للتصويت في الجلسة المقبلة بورقة بيضاء، ولكن نتيجة لمواقف حزب الله التصعيدية أجد أنني معني بالتصويت لأزعور”.

فبالنسبة لضاهر “من يخرج من جلده يتعرى”. وبعد أن أخذت المعركة طابعاً طائفياً، يقول “أجد نفسي مع جهاد أزعور لتحقيق التوازن السلبي. فبين سليمان فرنجية وجهاد أزعور أنا مع جهاد أزعور، ولكن بين قائد الجيش مرشحاً وجهاد أزعور، أنا سأقود معركة قائد الجيش”.

يرفض ضاهر ممارسات حزب الله الفوقية، والتي يقول أنها تزرع الشكوك حتى في رغبته بوصول فرنجية إلى رئاسة الجمهورية. ويقول أن “الحزب يعلم أنه غير قادر على الفوز بمرشحه بالتهديد والوعيد”. وإذ يشير إلى كون التصويت لجهاد أزعور كمرشح جدي يشكل تحدياً لتحديات حزب الله، يعتبر أيضاً أن هذا الترشيح أمّن التوازن السلبي.

فبالنسبة لضاهر “معركتنا حالياً إسقاط ترشيح فرنجية”. ولكنه يشدد في المقابل على أن إنجاز الانتخابات لا يمكن أن يحصل بظل الاصطفافات القائمة. متهماً حزب الله بالتسبب بهذه الإصطفافات، من خلال طريقته في التعاطي مع هذا الاستحقاق. ويشير ضاهر في المقابل إلى أن أي مرشح يفوز بهذه الطريقة لن يكون قادراً على الحكم، أو حتى تشكيل حكومة. ولذلك يقول “بعد إسقاط هذا الترشيح يمكننا كلنا أن نجلس على طاولة نقاش يقودنا لانتخاب رئيس بعيداً عن معركة كسر العظم التي لن توصل إلى مكان”.

من هنا، يرى ضاهر أن جلسة الأربعاء هي عملية استعراض للعضلات. ويشكك بإنعقادها منذ بدايتها، خصوصاً إذا لم يكن لدى الحزب الضمانات الكافية بعدم استحصال أزعور على 65 صوتاً.

ومرشح “رفض الفرض” بالنسبة لضاهر جعل الكل يقدمون تنازلات، حوّلت أزعور مرشحاً جدياً. إلا أن هذا ليس رأي النائب بلال الحشيمي الذي يؤكد بأن لا تنازل من قبله في الالتقاء على موقف التيار الوطني الحر من هذا الترشيح.

كماشة الأسد والحزب
لا تهم الحشيمي على ما يبدو المعرفة الشخصية لمرشح الرئاسة، وإن انطلق في تسمية أزعور من سيرته المهنية. فهو كما يقول كان ناجحاً في المواقع التي شغلها، ولديه علاقات جيدة مع معظم الدول. وإذ يعتبر أن الأولوية حالياً هي لمعالجة الوضع الاقتصادي، ولسد الفراغ بموقع الرئاسة، يحدد نقطة ضعف فرنجية بكونه هو من قدّم نفسه كشخصية قادرة على التعامل مع بشار الاسد وحزب الله، متسائلاً “لماذا نحشر أنفسنا في كماشة بين النظام السوري وحزب الله، للإتيان برئيس محمل بتداعيات علاقتهما بالعالم، بينما نحن قادرون على إيصال رئيس منفتح على كل بلدان العالم”.

نسأله عن كيفية تلاقيه مع التيار العوني على مرشح اختاره بخلفيات مختلفة، فيقول “لا نعيش وحدنا في هذا البلد. وهذا هو خلافنا مع حزب الله الذي يعتقد أنه وحده، ويريد أن يتحكم بكل المفاصل. الوضع حالياً لا يحتمل المناورة. ونحن ملزمون على التلاقي على مصلحة هذا البلد”.

اكتفينا في إستطلاعنا لمواقف نواب زحلة من جلسة يوم غد الانتخابية بهذا القدر. فأصوات النواب الأربعة المتبقين تتردد كصدى لمواقف أحزابهم المعلومة. وعليه، صار يمكن توقع استشراسها في الدفاع عن موقف، قبل الإنقلاب عليه متى تبدل موقع أحزابهم من التحالفات السياسية. وتداعيات تجربة “أوعى خيّك” التي سرعان ما طويت صفحتها، ماثلة في زحلة تحديداً في النفور السائد بين بلديتها التي تستمر بجمع الأضداد، وبين نوابها الذين وصلوا في “بوسطة” أحزابهم، والذين تجدهم غير قادرين على التوحد أقلّه في مد يد العون لرفع المطالب الإنمائية إلى مسامع مرجعياتهم المركزية.

شاركها.