
أحمد عبدالله قصيراوي
ضاقت طرابلس بما رحبت على أهلها
ضاقت طرابلس بما رحبت على أهلها. تتّسع أبنيتها وتتداخل أحياؤها وتمتدّ كتلتها العمرانية نحو المناطق المحيطة، لكنها تبدو يوماً بعد يوم أضيق على سكانها: شوارع مزدحمة، وأزقّة لا تتّسع لحركة المرور، وسيارات تبحث عن موقف، ومساحات خضراء تتراجع، وبحر قريب جغرافياً لكنه بعيد عن الحياة اليومية لكثير من أهل المدينة.
فهل أصبحت طرابلس أصغر من أن تستوعب أهلها وتلبّي حاجاتهم؟
أين ذهب زيتون طرابلس؟
أين ذهبت بساتين الزيتون والأراضي الزراعية التي كانت جزءاً من المشهد الطبيعي للمدينة ومحيطها؟ وأين ذهبت المساحات المفتوحة التي كانت تمنحها الخضرة والهواء والاتساع؟ لقد تحوّلت أراضٍ كان يمكن أن تشكّل رئةً خضراء للمدينة إلى أبنية وكتل إسمنتية.
ليس المطلوب وقف العمران أو حرمان الناس من حقهم في السكن، بل تحقيق توازن بين حاجات البناء وضرورة الحفاظ على ما تبقّى من الأراضي الزراعية والمساحات المفتوحة. فالأرض التي تتحوّل من بستان إلى مبنى لا نخسر منها أشجاراً فحسب، بل نخسر جزءاً من ذاكرة المكان وقدرته على توفير بيئة صحية ومتوازنة.
أين شاطئ طرابلس؟
كيف لمدينة تقع على ساحل البحر المتوسط وترتبط هويتها وتاريخها بالبحر أن يبقى شاطئها العام عصياً أمام أهلها؟
تشكل طرابلس والميناء امتداداً حضرياً ساحلياً، وتتمتع المنطقة بواجهة بحرية وجزر ذات أهمية طبيعية. ومع ذلك، يبقى من حق أبناء المدينة أن يسألوا عن المساحات البحرية المتاحة لهم فعلياً، وعن سهولة الوصول إلى شاطئ عام نظيف ومجهّز.
فليس كافياً أن تطلّ المدينة على البحر كي نقول إنها تستفيد منه. المطلوب أن يصبح البحر جزءاً من الحياة اليومية، وأن تكون الواجهة البحرية مساحة عامة للتنزه والحياة، لا مجرد حدود تنتهي عندها المدينة.
أين تتخلّص طرابلس من نفاياتها؟
كشفت أزمة النفايات أن المشكلة لا تقتصر على جمعها ونقلها، بل تبدأ بالسؤال الأصعب: إلى أين تذهب؟
لا تستطيع مدينة تنتج النفايات يومياً أن تستمرّ في إدارة هذا الملف بمنطق الحلول المؤقتة. فالنفايات قضية تخطيط وبيئة وصحة عامة، تتطلب معالجة مستدامة وتعاوناً بين البلديات والجهات الحكومية المعنية.
وبما أن طرابلس ونطاقها الحضري يشكّلان كتلة سكانية وعمرانية مترابطة، فمن غير المنطقي أن تُترك كل منطقة لمواجهة المشكلة وحدها. المطلوب خطة متكاملة تحدّد المسؤوليات وتضمن معالجة النفايات والتخلّص منها بطريقة آمنة، بدلاً من العودة إلى الأزمة كلما امتلأت المواقع المتاحة أو توقفت عن استقبال النفايات.
ثم يأتي السؤال الأكبر: ما حدود طرابلس؟
إذا اتجهت جنوباً، قيل لك: هنا راسمسقا. وإذا اتجهت شمالاً، قيل لك: هذه البداوي. وإذا اتجهت شرقاً، وجدت مجدليا. أمّا غرباً، فهناك الميناء والبحر، الذي يفترض أن يكون متنفساً طبيعياً للمدينة، فيما لا تزال الاستفادة من واجهتها البحرية العامة دون ما يتطلع إليه أهلها.
تعبّر هذه الصورة عن مفارقة عمرانية واضحة: طرابلس التي يعرفها الناس ليست دائماً طرابلس التي تحدّدها الخرائط الإدارية. فالأبنية والطرق وحركة السكان تتداخل بين المدينة والمناطق المجاورة، حتى تبدو الكتلة العمرانية أوسع من حدود بلدية طرابلس.
ولا بدّ هنا من التمييز بين الحدود الإدارية والامتداد العمراني. فالتقارير التخطيطية تدرس طرابلس ضمن نطاق حضري متصل يضم المدينة والميناء والبداوي، مع امتدادات نحو مناطق مجاورة مثل مجدليا. وهذا لا يعني أن هذه المناطق تقع إدارياً ضمن بلدية طرابلس، بل إن الحياة اليومية والخدمات وحركة السكان تتجاوز الحدود البلدية.
المشكلة أن المدينة قد تنمو عمرانياً من دون أن تنمو معها قدرة المؤسسات على التخطيط المشترك وتنسيق الخدمات. فالطرقات والنفايات والمواصلات لا تعترف دائماً بالحدود الإدارية، بينما تبقى المسؤوليات موزّعة بين بلديات وجهات متعددة.
لذلك، لا يكمن السؤال في أيّ المناطق أكبر، بل في كيفية إدارة هذا الامتداد بوصفه مجالاً حضرياً مترابطاً، مع احترام خصوصية كل بلدية وصلاحياتها القانونية.
أين طرابلس التاريخية؟
لم تكن طرابلس مجرد مدينة بحدودها الحالية؛ فقد كانت في العهد العثماني مركزاً إدارياً لإيالة طرابلس الشام، التي امتدّت في مراحل من تاريخها إلى مناطق ساحلية وداخلية واسعة، شملت أجزاءً من الساحلين اللبناني والسوري ومناطق مثل حماة وحمص وغيرها.
أمّا اليوم، فقد تقلّصت طرابلس إدارياً إلى نطاق بلدي محدّد، بينما امتدّ عمرانها وتداخل مع المناطق المجاورة. كانت مركزاً لإقليم واسع، وأصبحت مدينةً تتجاوز كتلتها العمرانية حدودها البلدية، فيما تتراجع المساحات المفتوحة وتزداد الضغوط على البنية التحتية.
فكيف اتّسعت طرابلس عمرانياً، فيما ضاقت على أهلها؟ فإذا نظرنا إلى منطقة الضمّ والفرز، وهي ربما آخر ما تمّ تنظيمه وتخطيطه مدنياً، نرى كيف تحوّلت هذه المنطقة إلى كتل إسمنتية وشوارع ضيقة، وكأنها صُمّمت لبلدة صغيرة، لا لمدينة يتسارع فيها النمو السكاني والعمراني بشكل واسع.
طرابلس التي تخنقها سياراتها
يضيف الازدحام المروري وجهاً يومياً آخر إلى ضيق المدينة. فقد يتحوّل الطريق القصير إلى رحلة طويلة بسبب ازدحام الشوارع وضيق بعضها، واصطفاف السيارات على جانبيها، والوقوف العشوائي الذي يقتطع من مساحة الحركة.
وتزداد المشكلة مع محدودية مواقف السيارات والكراجات. وحين لا تتوافر مواقف كافية، تتحوّل الشوارع والأرصفة إلى أماكن انتظار، فتتراجع حركة المشاة والسيارات معاً.
ولا تكفي معالجة الأزمة بتنظيم السير أو تحرير المخالفات. فالمدينة تحتاج إلى سياسة واضحة للمواقف، وتحسين النقل العام، وتنظيم محطات سيارات الأجرة والسرفيس، وتوفير بدائل تقلّل الاعتماد على السيارة الخاصة، ضمن رؤية تشمل طرابلس ونطاقها الحضري كله.
فالمدينة التي لا يجد فيها المواطن مكاناً يوقف فيه سيارته، ولا يستطيع التنقل بسهولة، ولا يجد مساحات عامة كافية للتنفس والاستراحة، تتراجع فيها جودة الحياة مهما ازدادت أبنيتها ومحالها التجارية.
ثمانمائة ألف نسمة… لمن نخطّط؟
تتداول بعض التقديرات أن عدد السكان الذين تخدمهم طرابلس ونطاقها الحضري قد يصل إلى نحو ثمانمائة ألف نسمة. وهذا ليس تعداداً رسمياً محسوماً لسكان المدينة ضمن حدودها البلدية، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً: ما حجم الكتلة السكانية التي تعتمد على طرابلس في العمل والتجارة والتعليم والصحة والخدمات؟
فطرابلس لا تخدم سكانها المقيمين وحدهم، بل يقصدها يومياً أشخاص من المناطق المجاورة للعمل والتسوّق والاستفادة من مؤسساتها. لذلك، ينبغي أن يأخذ التخطيط في الحسبان حركة السكان والوافدين والنازحين، من دون الخلط بين عدد المقيمين وعدد مستخدمي مرافق المدينة.
ولا يمكن مواجهة هذا الضغط من دون بيانات موثوقة ورؤية تربط بين التوسع العمراني والنقل والبيئة والسكن والخدمات.
طرابلس الصغرى: ليست المشكلة في حجم المدينة وحده
قد لا تكون طرابلس صغيرة جغرافياً أو سكانياً، لكنها تبدو صغيرة حين نبحث عن المساحات العامة، والشاطئ المتاح لأهلها، والطرقات القادرة على استيعاب حركتهم، والمواقع التي يمكن أن تستقبل نفاياتهم بأمان.
المفارقة أن المدينة تتمدّد عمرانياً فيما تتقلّص خيارات سكانها: أبنية أكثر ومساحات خضراء أقل، مركبات أكثر وطرقات أضيق، حركة سكانية وتجارية أكبر وبنية تحتية لا تواكبها، ونفايات متزايدة وحلول نهائية تتجاوز إمكانات البلدية وحدها.
الخروج من هذه الدائرة يتطلب رؤية مستقبلية شاملة لطرابلس ومحيطها: حماية ما تبقّى من الأراضي الزراعية، وإعادة الاعتبار إلى الواجهة البحرية والمساحات العامة، ووضع حل مستدام للنفايات، وتطوير النقل والمواقف، وتنسيق العمل بين البلديات والجهات المعنية ضمن إطار واضح للصلاحيات والمسؤوليات.
ولا يعني ذلك إلغاء الحدود الإدارية أو تحميل بلدية طرابلس ما لا تملك صلاحية تنفيذه، بل الاعتراف بأن المشكلات الحضرية الكبرى لا تُحلّ دائماً داخل حدود بلدية واحدة.
فهل نريد طرابلس أكبر من حيث عدد الأبنية، أم أفضل من حيث نوعية الحياة؟ وهل نكتفي بمراقبة توسّعها العمراني، أم نبدأ بالتفكير في المدينة التي نريد أن نتركها لأبنائنا؟
إن طرابلس لا تحتاج فقط إلى مزيد من البناء، بل إلى استعادة ما فقدته، وحماية ما تبقّى لديها، وإعادة تنظيم علاقتها بمحيطها وبحرها وطرقاتها ومساحاتها العامة.
طرابلس الكبرى بهمّة أهلها ورؤيتها المستقبلية بحاجة إلى تضافر جهود أبنائها واهتمام مركّز ومضاعف من الدولة بكل أجهزتها وسلطاتها. فجميعنا نعرف ماذا يمكن أن تقدّم طرابلس الكبرى لأبنائها ولوطننا لبنان، ولكن هناك من يريدها «طرابلس الصغرى».
