
أحمد الأيوبي
لم يكن ما قلناه بشأن أزمة دار الفتوى تهويلاً ولا تشفياً، بل رسالة أخيرة إلى من يعنيه الأمر بأن يتـّعظ ويوقف العناد والعجرفة والاستعلاء، وأن يتواضع للحقّ، لكنّه آثر الانحياز إلى الباطل متستِّراً بالمقام وعابثاً بالثوابت ومفجراً للألغام..
تبلّغ المفتي المطعون بولايته قرار مجلس شورى الدولة إبطال القرار الصادر عن المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى والمتعلق بالتمديد لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان عبر رفع سن التقاعد
وبهذا القرار يكتمل سقوط هذا المفتي الذي ربما يكون عهده من أكثر العهود سوءً في تاريخ المؤسسة الدينية، فكان الأكثر انحيازاً وتبعية في السياسة لمن قال له:”لا تخف أنا معك”.. وكان يسحب وراءه أصحاب العمائم بالسطوة والإكراه، للمثول بين يدي من ادعى أبوة السنة وكان الأكثر عقوقاً في تاريخهم..
الآن، يحاول شياطين الوسوسة أن يقنعوا المفتي بأن يعقد جلسة للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى على أساس تجاهل قرار مجلس شورى الدولة، واعتباره حبراً على ورق غير قابل للتنفيذ.
لطالما تلقى المفتي النصائح بالمغادرة الآمنة واللائقة، لكنّه بقي على إصراره، حتى انفضّ من حوله من ارتكب جريمة التزوير، ومن بقي منهم بات في موقع الاتهام.
لكنّ كلّ هذا لم يعد مُجدياً، فقد سقط هذا المفتي قبل القرار، لأنّه فرّط بالأمانة، وتعاطى بحقد مع كلّ من نصحه أو انتقد أخطاءً أو ارتكابات ما عاد ممكناً السكوت عليها.. الأخطر أنّه أطلق أيادي المفسدين في الأوقاف وغيرها، فتطايرت الملفات تكشف إصراراً على التفريط بحقوق الأوقاف من البترون إلى سائر المناطق.. وكأنّه يفعل مصداق المثل: يا رايح كثّر قبائح..
تحتاج دار الفتوى إلى عملية تطهير شاملة، لإزالة كلّ ما علق عليها من المراحل السابقة، وخاصة في السنوات الأخيرة، من نتاج الهيمنة السياسية الآحادية، وفق خطة إصلاحية تتسم بالشفافية والجرأة والقدرة على صناعة البدائل الصالحة، وعلى إعادة بناء المؤسسات بعد أن أصابتها لعنات التوحش الأسدي وطغيان حزبي إيران (الحزب والحركة).. وعلى الشراكة مع الاقتصاديين المسلمين في تنمية الأوقاف، واستنهاض الدار باستعادة المرجعية ومكانتها التي حفظها لها الدستور والعرف وحقائق التاريخ والواقع.
المطلوب الآن، عدم الانتظار ومنع تأخير تطبيق قرار مجلس الشورى الدولة، وهذا يستدعي من رؤساء الحكومات والنواب السنة التداعي والتلاقي في ورشة طوارئ عاجلة بهدف معالجة هذه الأزمة الخطرة.
وبدل الانتظار والدوران في حلقات الانتظار، فإنّ الطرح الأكثر واقعية يتمثل في التوافق على مفتٍ يدير مرحلة انتقالية، يأتي من خارج الملاك، يتحرّك بحرية في وضع خطط الإصلاح، يكون شفافاً نظيف السيرة لا شائبة عليه ولا شبهات، ويكون قريباً ليناً رحوماً بالمسلمين، قادراً على تحقيق الشراكة الإسلامية المسيحية، يعمل لسنوات محدودة في ورشة الإصلاح، وبهذا يمكن التحضير في هذه الفترة للوصول إلى تحصين دار الفتوى والتحضير لوصول مفتٍ أصيل يأتي نتاج التراكم الإصلاحي ليدشِّن مرحلة البناء واستعادة الدور والمهمات الكبرى التي ينبغي لمفتي الجمهورية القيام بها.
