أحمد الأيوبي
يمكن اعتبار كلمة الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله في ذكرى مقتل مصطفى بدر الدين محطة لتكريس نهج الهيمنة والتسلّط على الجميع بمن فيهم شريكه في الثنائية الشيعية (حركة “أمل”) والإيغال في قضم المواقع المسيحية في الدولة بدءاً من تكريس التحكّم برئاسة الجمهورية، مروراً باعتبار المدير العام للأمن العام موقعاً متقدماً للشيعة في الدولة وليس انتهاءاً بإعطاء الإشارة لاحتلال منصب حاكمية مصرف لبنان، مع الرفض المعلن لأيّ تغيير في منطلقات ومسالك للحزب في ضوء الاتفاق السعودي الإيراني، وهذا ما برز من خلال الإصرار على تكريم بدر الدين الذي ارتكب أعمالاً إرهابية استهدفت أمن الكويت وأميرها.

إستهداف تاريخ “أمل” والتشويش على ملف العشائر
في كلمته التي ألقاها يوم الجمعة 12 ايار 2023 استحضر نصرالله ملف عشائر عرب خلدة في ردٍّ مباشر على ما سبق للرئيس نبيه بري أن أشار إليه خلال استقباله لوفد العشائر عندما قال:”عهدنا مع العشائر العربية هو نفس العهد الذي كنا فيه كتفا لكتف مقاومين الاجتياح الاسرائيلي عام 82 بخلدة”، بينما جاء نصرالله ببدر الدين كمقاتل “حضر في الميدان بسلاحه وإحدى هذه المعارك التي خاضها في الخط الأمامي كانت معركة خلدة التي أصيب فيها بجروح بليغة بقيت آثارها في رجله تؤثِّر على مشيته الطبيعية”.
إستغرب أكثر من مصدر شيعي مستقل هذا الزجّ الذي قام به نصرالله لاسم بدر الدين في معركة خلدة نسبتها إلى “حزب الله” الذي لم يكن قد نشأ في ذلك الحين، بل كان الدور البارز لحركة أمل وأحزاب المقاومة الوطنية، ويشير أكثر من مصدر إلى أنّ “حزب الله” يقوم بمصادرة المحطات النضالية التي تتغنى بها حركة أمل، سياسياً وإعلامياً، من أحمد جعفر قصير الذي كان أول من قام بعملية استشهادية في مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي عند بوابة صور في 11 نوفمبر 1982، وكذلك الشيخ راغب حرب الذي استشهد وهو في صفوف حركة أمل، بينما ينسبه الحزب إليه، وفي العام 1982 كان نصرالله شخصياً في حركة أمل وله صور بعد الاجتياح وهو يشارك في تشييع شهداء الحركة، وهذه محطات نبشها إعلاميوها والمؤيدون للرئيس بري.
يعتبر ناشطو حركة أمل أنّ الحزب يحاول مسح الذاكرة الشيعية وإزالة الحركة من التاريخ وينسبون أمجاد الحركة إليهم ولو كانت قبل ولادتهم كحزب. وهذا أدّى خلال السنوات الماضية إلى اشتباكات وتوترات ميدانية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي كانت تستدعي اجتماعات قيادية لتهدئة الأجواء بين الطرفين.
لكن هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها نصرالله مباشرة على هذا السياق، بسبب حساسية ملف خلدة ولتذكير بري أنّه موجود. وفي هذا إشارة إلى أهمية ملف العشائر العربية وتأثيرها السياسي وخاصة بعد ثباتها في وجه الحزب في المواجهة معه منذ الصدام الأول في 27 آب 2022 عندما اغتال الحزب الفتى حسن غصن.
لا يترك نصرالله وحزبُه مناسبة إلاّ واستغلّوها لمسح تاريخ كلّ من سبقوهم في المقاومة، فتعرّضوا للتصفيات وسلب التاريخ والإنجازات كما حصل مع الحزب الشيوعي والمنتسبين إليه في الصرفند، وكذلك مع الحزب السوري القومي الاجتماعي والجماعة الإسلامية.. يصادر الحزب تاريخ وذاكرة اللبنانيين إلى درجة أنّه يريد منهم أن يصدِّقوا مزاعمه أنّه كان يقاوم قبل وجوده أصلا!
