شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

المحامي محمود حطب

المدير العام للاوقاف الاسلامية سابقا

ما نراه ونشهده، يجعل الحليم حيرانا، بل انه قد تجاوز الحيرة الى الدهشة من بعض القلوب المعاندة للصواب والحق، والتي باتت تندرج تحت وصف “أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”.

ترى ما الذي يجري في جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية، ما الذي يجري في هذه المؤسسة، وتعتبر الام الثانية لمؤسساتنا الاسلامية بعد الاوقاف الاسلامية؟ الذي يجري ان هذه الجمعية وعلى الرغم من الازمات الخانقة التي يمرّ بها لبنان، والعجز المتنوع الذي اصاب هذه الجمعية على الصعيد المالي وصعيد التقهقر والتراجع في الرسالة المؤتمنة على ادائها، نعم، على الرغم من ذلك، نجد الجمعية قد خرقت هذا العجز وذاك التراجع بفتح جديد يشكل انجازا تاريخيا، فكان لرئيسها الدكتور فيصل سنو ومجلس امنائها وبعد مرور مائة واثنين واربعين عاما على تأسيسها، قصب السّبق في طمس ومسح “الخيرية الاسلامية” من شعارها الذي اختاره المؤسسون لها ووضعوا مكانه كلمة واحدة فقط (المقاصد) Logo وبالخط الكوفي الذي يستحيل على كثيرين تهجئته،

لقد غاب عن الجمعية انها وقف اسلامي وان شعارها جزء لا يتجزأ من الوقفية كما هو حال المساجد، غاب عنها ان شرط الواقف كنص الشارع، وليس من احد مهما علا كعبه ان يبدّل فيه او يغيره.

ناهيك عن ذلك، فان رئيس الجمعية، لم يبيّن للوفد الذي اجتمع معه في دار الفتوى وبرعاية وحضور سماحة مفتي الجمهورية الذي اعلن حسب ما نسب اليه انه لم تتم استشارته ولم يعطِ رأيه بالموضوع، اجل ان الدكتور فيصل سنو لم يبيّن للوفد سببا وجيها واحدا او الخلفية التي دعت اليه، وليس ثمة ذريعة او سببا او حجّة ترقى الى مستوى الاقناع، ان كل ما ابداه رئيس الجمعية في هذا الاجتماع وحسب ما نسب اليه: “ان الجمعية مؤسسة مستقلة ولا تعمل تحت عباءة احد ولا تخضع لآراء احد“.

“وان قرار تغيير الشعار اخذه مجلس الامناء بالاجماع ولا رجوع عنه، وهو غير مضطر للنقاش او سماع احد“.

طبعا، ان هذا الفرمان الهمايوني المتخذ من (الصدر الاعظم) غير قابل لا للطعن ولا للردّ او اعادة النظر، لانه بمنزلة القداسة عند الدكتور سنو، وعلى الكافة من المرجعيات واهل الحل والعقد وعامة المسلمين ان يسمعوا ويطيعوا، وإلاّ عليهم ان يضربوا رؤوسهم بالحائط او ان يضعوها في الرمال، فما كتب من  (الامناء) ورئيسهم قد كتب، ولا رادّ لعلوّ مشيئتهم، ولا دفعا لرفعة (قدرهم) وقدرتهم،

وهكذا تورد الابل، وخلافا لما قاله الاعراب في غابر الزمان: “ما هكذا تورد الابل يا سعد”،

نعم، هكذا تورد الابل وممّن، من ابناء جلدتنا الذين نرى بام العين وبصريح العبر، والتعبير المأسوف عليه، انهم “لا يعملون تحت عباءة احد“، وقد نسوا حظاً وصلوا اليه بسهو او غفلة، لمظنة “وسوء الظن من حسن الفطن” انهم تحت عباءة الاسلام، ذلك انه من تم اختياره تحت هذه المظنّة، عليه ان يمتثل ويلتزم بمفاهيم هذه العبائة، لان توليته على شأن من شؤون الرعية، يستحيل الى قدوة بين الناس، فأين القدوة في كل ما يجري في جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية، اين هذه القدوة ممّن يتولى شأنا من شؤون المسلمين، وهو يخجل من انتمائه الى الاسلام، واذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالاثم، وأزبد وأرغى واعتراه الغضب في مواجهة من يحاول بالنصح إعادته الى جادة الحق والصواب استلهاما من حِكَم الله الازلية بـ “أنّ الحقّ أحقُّ ان يُتبع“.

وفي سياق يحمل الالم في طياته، فلا بأس من ذكر احدى الشواهد التي غصّت بها الحناجر، فمنذ نحو اربعين عاما، وبسحر ساحر تم تبديل شعار دار الايتام الاسلامية بوضعه في المرتبة الثانية وبالخط الرقعي الصغير، ليرفع فوقه وبالخط الديواني العريض “مؤسسات الرعاية الاجتماعية”، وهذا بدوره افتئات على الشعار الذي اطلقه المؤسسون وفي طليعتهم الرئيس رياض الصلح على هذه الدار،

وبطبيعة الحال، ورغم ان هذا التبديل لم يكن ثمة ما يبرره، الا انه بمنزلة “الكحل” الذي هو افضل من العمى الذي شكّله الشعار الجديد الذي اسقط رئيس جمعية المقاصد الاسلامية و(أُمناؤها) جوهر هذه الجمعية ومعدنها ومبعث رسالتها بأنها “الخيرية الاسلامية.”

ترى، هل الهوان اصبح ديدننا، ام اننا بتنا نتوق ونستمريء العودة الى الجاهلية: “لتَتّبِعُن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى اذا دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه” (حديث شريف)، ام اننا اوشكنا على الوقوع في مثالب التنكُب عن جادة الصواب: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (الآية 38 من سورة الاعراف).

وبمطلق الاحوال، فان ما اقدمت عليه جمعية المقاصد، اصبح بعهدة سماحة مفتي الجمهورية الذي يعتبر الرئيس الفخري لهذه الجمعية، والمؤتمن على رعاية الشؤون الاسلامية، فهو بحكم موقعه سيكون له الموقف الحازم والحاسم الذي ينسجم مع ما تبقى من تراثنا الاسلامي، الا اذا كان علينا جميعا ان نسلّم تسليما، والذي ليس له اصل ولا اساس في شرعنا، لان التسليم فقط لله ولاحكام الرسول قدوتنا ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الآية 65 من سورة النساء).

اللهم اني قد بلغت، اللهم فاشهد.

     

شاركها.