شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

قد يبدو طرح هذا الملف مستغرباً في هذا التوقيت وفي هذه الظروف، لكنّ موجبات الطرح تبدو ملحّة اليوم، لأسباب كثيرة، أهمّها أنّ اعتياد الناس على الخطأ لا يبرّر السكوت عليه، كما أنّ هناك ضرورة للتفكير في استباق الأحداث ومنع تكرار ما سبق من أخطاء دفعنا ثمنها دماءاً وسمعة مجتمع.

أحمد الأيوبي

في تاريخ المسلمين وحضارتهم كان للمسجد الجامع دور مركزي وحيوي متّسع المدى يشمل كلّ نواحي الحياة الشخصية والعامة، ولطالما اجتمع المؤمنون في في مساجدهم ليتلقّوا العلوم الشرعية والدنيوية، فتحوّلت مساجدهم إلى مدارس وجامعات، كما هو الحال مع الجامع الأزهر في مصر وجامع الزيتونة في تونس، وفي قلب هذا الدور يأخذ المسجد موقعه في جمع الناس والتأليف بينهم في كلّ منطقة وفي كلّ مدينة.. وهذا يفسر وجود المساجد الجامعة واجتناب إنشائها في نطاقات جغرافية متقاربة.

الأصل التقاء الناس في المسجد الجامع

فالغاية من المسجد جمع الناس على إمام واحد وعلى قلب رجل واحد، فيتعارفون ويتآخون وتنشأ بينهم رابطة الدين والجوار، وتكون مدخلاً لتحصين المجتمع وتكافله وتضامنه على جميع المستويات.

لكن مع تقادم الأزمان انتقلنا من زمن الجامع المنصوري الكبير وجامع الأمير طينال.. إلى زمن المصليات المتناثرة في كلّ مكان كالفطر، من دون أن يفهم أحد سبب إنشائها بوجود المساجد القريبة، وبدون اتباع قواعد وموجبات إنشاء المساجد، وهذا ما شكّل ويشكل مداخل لتضارب المصالح وابتداع الكثير من عوامل التفرقة وانتشار الأفكار المنحرفة، في زوايا داكنة، لا نعرف ما يُذكر فيها، وتحوّلت إلى مصدر للقلق الاجتماعي.

سابقة مسجد الضرار في عهد الرسول الكريم

يعلم المسلمون قصة المسجد الضرار الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه، لأنّه لم ينشأ على التقوى وعلى قواعد الإيمان وجمع الكلمة، بل كانت الغاية منه اختراق المجتمع باسم الدين، وهذا ما يحصل في الكثير من الحالات، وهذا يفسّر الظواهر المريبة التي عانى منها مجتمعنا في السنوات الفائتة، ولا تزال مستمرة، وأسفرت عن شذوذ فئة من الشباب وخروجها عن قواعد الدين واعتمادها مفاهيم مغلوطة ومدمِّرة.

ليس بوسع فرد أو مجموعة أن يحوّلوا “مصلى” أو مسجداً إلى مركز استقطاب فئوي يحمل أفكاراً خارج إجماع المسلمين، وخاصة فيما يتعلّق بالمسائل ذات الطابع التكفيري والتي تنعكس بشكل تلقائي في الاتجاه الأمني، وهذا هو جوهر المسألة: إذْ كيف يمكن ضبط هذه المصليات ومنع تحويلها، كما حصل سابقاً، إلى مراكز لنشر التطرّف والتكفير وفتح حرب على المجتمع؟!

“هايدبارك” بلا ضوابط

لقد تحوّلت المنابر في هذه المصليات إلى ما يشبه “الهايدبرك”، حيث بإمكان من يعتليه أن يقول ما يشاء من دون رقيب أو حسيب، وهذا حال الكثير من المصليات أو “المساجد” التي كانت عبارة عن غرفة أو ملجأ أو شقة، فإذا بها تصبح مسجداً، فيعتلي منابرها في الغالب الأعمّ، أشخاص غير مؤهلين شرعياً ولا يملكون الكفاءة لقيادة الناس في دينهم ودنياهم.

وهنا يُطرح السؤال: من قام بتنصيب هؤلاء أئمّة يقوجون الناس، ومن استأمنهم على أبنائنا ليسلبوا عقولهم ويزجوا بهم في أتون حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ونذكر أدوار بعض هذه الأماكن وكيف تحوّلت إلى بؤر توتر وتفجير في مناطقنا الشعبية العزيزة.

هذه الإشكالية تحتاج إلى مقاربة جريئة وحاسمة وحازمة من دار الفتوى، لوقف انتشار هذه الفطريات على جنبات المؤسسات الدينية العاملة وفق الأصول الإدارية والوقفية والتربوية، في حالات المدارس.

مرجعية دار الفتوى

دار الفتوى هي المرجعية الرسمية والشعبية للمسلمين في لبنان، ترفدها الهيئات والجمعيات والمؤسسات العاملة وفق الأصول والقانون، ويعتبر منهجها محطّ إجماع من عموم المسلمين على اختلاف توجهاتهم. فلماذا تتكاثر ما يمكن تسميتها مساجد أو مصليات الضرار في الحارات والأحياء، ولماذا لا يجري التوصل إلى إلى قرارات حاسمة بضرورة منع إقامة أي مصلى أو مسجد من دون إذن وإشراف ورقابة دار الفتوى؟

نعم للتنوع.. لا للاختراق

طبعاً قد يقول البعض إنّ هناك مساجد خاصة يقوم ببنائها أفراد يحولونها إلى أوقاف خاصة، وهذا واقع، ورغم وجود الاستقلالية المالية والإدارية لهذه المساجد، إلاّ أنّها لا يجوز أن تتحوّل إلى مساجد ضرار أو منابر للفتن.. فهل يصحّ أن يعتلي المنابر أشخاص لا يمتلكون الأهلية والكفاءة، ويحوّلوها إلى منصّات لغايات شخصية أو معبراً لاختراق الفكر المتشدّد وانحرافاته الخطرة على المجتمع أو للمتاجرة بقضايا الناس؟!

وقد شاهدنا في الأسابيع الماضية نماذج لمن يحتلون المنابر ويحوّلونها للشتائم وشقّ الصفوف.

ليس مطلوباً القمع أو الإسكات أو منع التنوع، وهو ظاهرة صحية في الساحة الإسلامية، لكن المطلوب أيضاً أن تكون سلامة المجتمع فوق كل اعتبار، وهذه السلامة توفرها ثوابت الدين الحنيف البعيدة عن الغلو، والرافضة لكلّ اشكال الانحلال والفساد والإفساد.. وهذا هو الدين الوسط للأمة الوسط، على مرّ الأزمنة والأحوال، والمطلوب هنا إعادة الاعتبار لدور المسجد الجامع الذي يحتوي أبناء المناطق ويؤلّف بينهم على المودة والرحمة.

مساحات غير آمنة

من الواضح أنّ بعض المصليات الصغيرة الهامشيّة تحوّلت إلى مساحات غامضة، يستفيد منها بعض أصحاب الغايات المتربصة بالمسلمين، فضلاً عن غياب كلّ أشكال الرقابة عليها، وهذا ما يجعلها أماكن غير آمنة، ولا تؤدي الهدف الأساس من إنشائها، فضلاً عن أنّها مصدر لتفريخ “مشايخ” لا يمتلكون أيّ كفاءة علمية وشرعية، لا يلبثون أن يتحوّلوا إلى مصدر قلق نتيجة نشر أفكارهم المبنية على التسطيح والشعارات البعيدة عن مقاصد الشريعة.

وقف الاختراق بحسم ظاهرة المصليات العشوائية

لا يمكن وقف حالات الاختراق للشباب من دون ضبط واقع المصليات العشوائية، والتي لا تراعي معايير وضوابط الدين الحنيف، وهذا يستدعي نقاشاً واسعاً بين جميع المعنيين، على المستويات الدينية والاجتماعية والأمنية، للوصول إلى معايير تحفظ قيمة المسجد ودوره ورسالته، وتترك المساحات مفتوحة للتعبير عن القضايا العامة والوطنية، من دون قمع ولا تضييق.

المطلوب هو وضع ثوابت دينية تحدّد دور المسجد في الدعوة والتوعية بمختلف قضايا الشأن العام، وأهمها رفض التطرف ومنع تسرّب الأفكار الإرهابية أو الاختراقات لصفوف الشباب من هذه الثغرات.

أخيراً،

إنّ العلاقة بين المسلمين، تقوم على التناصح والستر والحرص والمحبة والتعاون والتكامل، وإنّ نشر الفكر المتطرّف مرفوض، ولو تواقح حاملوه، وإنّ للمساجد رسالة دينية اجتماعية واضحة، ليس منها ضخّ التشدّد ولا تسهيل اختراق الشباب ولا دفعهم إلى مناطق الشبهات الأمنية، حتى لا يصلوا إلى واقع الملاحقة وما يليه من مخاطر يجب ردُّها والحدّ من اقتحام بيوتنا واختطاف أبنائنا من بين أيدينا.

شاركها.