التكامل بين دار الفتوى والهيئات العلمائية تحصين للساحة الإسلامية
أحمد الأيوبي
تعرّض معهد الأمين للعلوم الشرعية لحملة شرسة طالت الشيخ رائد حليحل وعدداً من المشايخ، استهدفتهم بأشخاصهم وذممهم المالية والأهم أنّ من وراء هذه الحملة أرادوا الطعن في دينهم وإخلاصهم، وفي أمانتهم وعلمهم، وفي تاريخهم وهويتهم، وصلاً إلى ضرب القيم التي يدافعون عنها، وتعطيل خطاب الوعي الذي ينطلق من هذه الفئة من العلماء في ظروفنا الراهنة، التي تستوجب تقدير دورهم وتعزيز مكانتهم، في مواجهة أضاليل التطرف ومحاولات الاعتداء على سلامة المجتمع المسلم من خلال الاختراقات المشبوهة.

حملة مشبوهة على العلماء
اللاّفت للانتباه أنّ الحملة على الشيخ رائد حليحل ومعهد الأمين، جاءت في توقيت حسّاس، فقد شهدت طرابلس خلال الأشهر الماضية محاولات مستميتة لإعادتها إلى مربع الفتنة بأشكال مختلفة، منها الحملات الإعلامية السوداء والصفراء، ومنها الاختراقات الأمينة لاستقطاب الفتيان من أبنائها إلى سوريا والعراق، لصالح تنظيمات مشبوهة مكشفوفة الأهداف والخلفيات.
ساند الشيخ رائد حليحل مساعي دار الفتوى وهيئة علماء المسلمين والمجتمع الأهلي لاستيعاب محاولات الاختراق الأمنية والسياسية والإعلامية، وللشيخ مواقف معروفة ضدّ التطرف والفكر الخوارجي، وضدّ التساهل مع مظاهر العنف الفكري أو الأمني، وهذا ما عرّضه ويعرّضه للاستهداف من أصحاب الشعارات التكفيرية ومن المتنطعين أصحاب الشطط في الفكر والممارسة.
وخلال مختلف المراحل، كانت إدارة معهد الأمين على ثغرة في المجتمع، وكانت تقارب التحديات بالحكمة والاحتواء، رغم أنّ البعض حاول إيقاعها في براثن التوريط الأمني، لكنّها تجاوزت كلّ ذلك بالاستناد إلى تمسكها بالثوابت الدينية وبنبذ الغلوّ من مناهجها وموادها التدريسية، وفي روحية الخطاب الديني الصادر عنها.
في الآونة الأخيرة، أنشأت جهة أو بعض الأفراد حساباً وهمياً على تطبيق فيسبوك، وأطلقوا من خلاله سيلاً من الاتهامات طالت الشيخ رائد حليحل وبعض المشايخ الآخرين، في اتجاهات شتى، ونتيجة المتابعة والمعاينة، يتضح أنّ هؤلاء المشغلين للحساب، لا يتناولون فقط شخص الشيخ رائد، بل يهدفون إلى هدم صورة العلماء وإسقاط هيبتهم ومكانتهم في قلوب الناس، وذلك كي يخلو الجوّ للمتطرفين، فيصطادون الشباب بلا رادع.
تخريب يخالف أصول النصيحة
تكمن خطورة ما فعله هؤلاء في أنّهم عبثيون لا يريدون سوى التخريب، فليس لهم مطلب حقٍّ يطرحونه، وليس لديهم أدلّة يثبتون بها صدق ادعاءاتهم، بل ينطلقون من أحقاد شخصية، نتيجة مقارنتهم لسوء حالهم المادي مع سواهم، وهذه مقاربة فيها الكثير من الظلم والتجني، خاصة أنّ الأرزاق ترتبط بفضل الله ثم بسعي الناس، واتهام الشيخ حليحل في ذمته المالية لا يجد أساساً، خاصة أنّه لم يغيّر موقفاً ولم يبدّل لقاء موقف أو قضية، بل كان ثابتاً على مواقفه المتزنة والحكيمة، وهو عندما يقع في خطأ لا يتردّد في الرجوع عنه، فيما يتعلّق بتقدير الأوضاع العامة، وهو ليس من المتعنتين ولا من الغلاظ الشداد الذين تنفر منهم الناس.
في هذه الحملة قام خطيب في أحد مساجد عدوة بتبني مضمون الإساءات الموجودة في الصفحة المشار إليها، واعتلى المنبر وقدّم العن التلو الآخر بمشايخ وصّفهم ولم يسمّهم، وافتخر أنّه يعمل في مجال التمديدات والصيانة الكهربائية، لينتهي الأمر بحفلة شتم غير معهودة على منبر ذلك المسجد.
هذه الواقعة تدفعنا إلى التفكير في أكثر من جانب في مجريات ما حصل. فلطالما ترافقت محاولات نشر التطرف مع استهداف المرجعية الدينية والعلماء، لأنّ ذلك يخلق فراغاً مناسباً لكلّ أشكال الغلوّ والفوضى والاختراق.
العلماء ليسوا معصومين، لكنهم صمّام الأمان
لا يمكن اعتبار العلماء معصومين، فهم بشر يخطئون ويصيبون، ولا شكّ أنّ مسؤوليتهم كبيرة وعظيمة، لأنّهم يتحمّلون مسؤولية نشر الوعي الديني وتعزيز التماسك الاجتماعي والوطني، لكنّهم أيضاً صمّام الأمان في معادلة التوازن الاجتماعي، ولا يصحّ أن يُتركوا مكشوفين أو منفردين إذا تعرّضوا للاستهداف.
لا بدّ من مظلة دار الفتوى
تشير تجاربنا، وفي تقييم أوليّن إلى ضرورة التجاء الهيئات العلمائية إلى مظلة دار الفتوى، وضرورة توسيع المرجعية لدائرة استيعابها ومهامها، بحيث تشمل التكامل مع المجتمع المدني ومع مؤسساته الاجتماعية والاقتصادية، ولا شكّ أنّ تجربة رعاية سماحة مفتي طرابلس الشيخ محمد إمام لمشروع “فرصة” بين جمعية “المنهج” و”تجمّع أم النور” نموذج مبشِّر بنوعية التعاون المطلوب، وأن يشمل الاستثمار المشترك لقدرات الأوقاف الإسلامية بحيث تستجيب لتحديات الكوارث التي تُحدق بالمسلمين في لبنان.
في الختام،
إنّ تكامل الهيئات الدينية مع دار الفتوى من شأنه أن يحفظ لها كياناتها، وأن يُنشئ مساراً جديداً يتيح للعلماء ممارسة أدوارهم الدعوية والإرشادية، ومنع اختراقات العنف والتكفير بكلّ أشكالها، ويتيح التنسيق لتحسين الظروف الاجتماعية والانسانية.
