الدائرة الإعلامية في القوات اللبنانية في “موقف اليوم”:
الجملة السحرية التي وردت في البيان الثلاثي الصيني – السعودي – الإيراني والتي تؤكِّد على ضرورة “احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية” تختصر الوجه الأبرز للأزمة اللبنانية، فلولا أطماع آل الأسد بإلحاق لبنان بسوريا لانتهت الحرب مع اتفاق الطائف، ولولا المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة لانتهت الأزمة اللبنانيّة مع إخراج الجيش السوري من لبنان، وبالتالي محور الممانعة بشقيه السوري والإيراني يتحمّل مسؤولية إبقاء الأزمة اللبنانية مفتوحة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وهذه الجملة السحرية انبثق منها ميثاق الاستقلال الأول بتحييد لبنان عن محاور الصراع انطلاقًا من فهم عميق لفلسفة التركيبة اللبنانيّة التي لا يتأمّن استقرارها وتعايشها وتفاعلها سوى من باب الحياد، والدليل سقوط الوطن والدولة عندما شرِّعت الحدود لتدخلات من كلّ حدب وصوب.
وفلسفة ميثاق العام 1943 كلّها قائمة على فكرة عدم استقواء أي مجموعة بالخارج ومعالجة التباينات والتناقضات والخلافات بالاستناد إلى مرجعية الدولة وليس مرجعيات خارجية تستفيد من انقسام الداخل تحقيقًا لأطماع وتحويلاً للبنان إلى ساحة وموطئ نفوذ.
وعلى رغم أهميّة الاستحقاقات الدستورية وفي طليعتها الانتخابات الرئاسية، إلا أنّها تصبح تفصيلاً أمام جوهر الأزمة اللبنانية، لأنّه إذا كان “لا حلول اقتصاديّة بلا استعادة الدولة سيادتها” كما أكد الدكتور سمير جعجع، فلا استعادة لهذه السيادة قبل أن توقف طهران تدخلاتها في الشؤون اللبنانية وينتقل مشروعها من النفوذ العسكري والأمني إلى السياسي الذي يسلِّم “ح ز ب ال له” بموجبه سلاحه إلى الدولة اللبنانية ويصبح شأنه شأن الأحزاب السياسية كلّها التي تناضل تحت سقف الدولة والدستور.
والأمل كلّه أن يجد الاتفاق السعودي-الإيراني ترجماته على أرض الواقع وتحديدًا لجهة “احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”، وخصوصًا أن من يتدخّل في لبنان يتدخّل في سوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول، وبالتالي تطبيق هذه الجملة السحرية سيكون كفيلاً بوقف النزاعات في المنطقة ورفع شعوبها أولوية أوطانها واستقرارها وازدهارها.
وعلى رغم الشكوك المتصلة بالتزام إيران بتعهداتها ربطًا بمسار تاريخي ومشروع أيديولوجي، إلا أنّه يجب النظر دائما إلى النصف الملآن من الكوب، وتوفير الظروف المؤاتية لوضع الاتفاق موضع التنفيذ خصوصًا لجهة احترام المواثيق الدولية وشؤون الدول الداخلية.
وبمعزل عن النتائج المتوخاة من الاتفاق السعودي-الإيراني، وبمعزل عن التقيُّد بمندرجات هذا الاتفاق أو عدمه، إلا أنّه من الثابت والأكيد بأنّ ما قبله غير ما بعده، ولم يعد من الجائز التفكير في السياسات التي حكمت المنطقة قبل توقيعه خصوصًا أنّ الصين لن تفرِّط بسمعتها وصورتها وصدقيتها مع دخولها الأول على المسرح الشرق أوسطي.
