شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

تأكيد على إيقاف العدّ وبناء المستقبل على قاعدة الشراكة

أحمد الأيوبي

لا تزال القنبلة الجرثوسياسية التي ألقاها الرئيس نجيب ميقاتي حول أعداد المسيحيين في لبنان تتفاعل لأنّها جاءت شديدة الخطورة من حيث الشكل والمضمون ومن حيث الاستثمار المذهبي الواضح لها بعيداً عن ما سلكه رؤساء الحكومات بعد اتفاق الطائف وإقرار الدستور. فميقاتي كان يعلم ما يفعل، ويدرك أنّ كلامه سيترك أثراً سلبياً على الحياة الوطنية، ولو أنّه غلّفه بما اعتاد عليه من التلاعب بالكلام كأن يقول إنّ “التقرير وصلني لكنه ليس مؤكداً”، فهذا أدعى لإدانة هذا التسريب لأنّه صادرٌ عن رئيس حكومة تتولى الآن أعمال رئاسة الجمهورية بحكم الشغور الرئاسي.

ميقاتي يحرف الأنظار عن دور “حزب الله” في تهديد الكيان

قوبل كلام ميقاتي بردود أسقطت جوهر رسالته التي أراد بعثها في التوقيت القاتل، فجاء موقف البطريركية المارونية كما كشفت الأرقام خطيئته التي أراد لها أن تكون جزءاً من صراعٍ فارغ بينه وبين جبران باسيل لا قيمة حقيقيةً له لأنّ الإشكال الحقيقيّ هو مع “حزب الله” الذي يفترس الدولة ويهيمن على قرارها، ويعتدي على دستورها ويستولي على صلاحياتها الرئاسية.

المشكلة مع ميقاتي الذي زعم أنّ نسبة المسيحيين أصبحت 19،4 %، أنّه يحرف الأنظار عن حقيقة من يتسلّط على صلاحيات رئاسة الوزراء: أليس الثنائي الشيعي هو من يحدِّدُ جدول أعمال حكومة تصريف الأعمال ويتحكّم بتوتيرة الاشتباك بين ميقاتي وباسيل ويحسم الموقف في النهاية؟

صحيح أنّ ميشال عون وجبران باسيل حالةُ استفزازية متطرِّفة، لكنّ تضخمهما هو من إفرازات سياسات “حزب الله” الذي طبّق شعار تغطية السلاح بالفساد، وجاءت حكومة ميقاتي الحالية وليدة هذه المعادلة على جميع المستويات، وما قراراتها الجائرة وتواطؤها تجاه حقوق اللبنانيين سوى ترجمة لهذه الصفقة السوداء.

أسوأ ما يقوم به ميقاتي الآن هو أن يقوم بتغطية السماوات بالقباوات، لأنّ طرح مسألة الأعداد في التركيبة اللبناية لا يمكن أن يمرّ بدون عواقب، فهي قضيّة حسّاسة وتحمل أبعاداً وتداعيات يعرف ميقاتي قبل سواه حجمها وخطورتها، خاصة أنّ لبنان يقف على شفير تحوّلات كبرى ومصيرية تُحدق به وبالمنطقة والعالم.

لماذا استهداف المسيحيين؟

ماذا يعني “تضئيلُ” أعداد المسيحيين في هذا التوقيت، وماذا يعني في السياسة والتوازنات، في أجواء شغور رئاسيّ يهدَّد فيه المسيحيون بأنّه قد يكون دائماً أو باباً لإسقاطهم من صدارة الحياة السياسية.

قد يقول البعض إنّ المسيحيين أخطأوا في حقّ أنفسهم بصراعاتهم قبل الحرب وبعدها، لكنّ الحقيقة تستوجب القول بأنّ جميع اللبنانيين أخطأوا خلال الحرب وبعدها عندما ارتضى من ارتضى منهم القبول بالتسلّط السوريّ على بلدهم وتمزيق نظام آل الأسد للطائف ببعده الوطني الجامع.

لا يمكن اعتبار صراع السياديين المسيحيين مع أتباع إيران من المسيحيين خطأ، بل هو عين الصواب، لأنّ هذه المواجهة هي التي تحافظ على هوية لبنان وجوهره النقيّ، وتؤكِّد أنّه وطنٌ الشراكة والحريات والتقدّم والانفتاح، وليس بلداً مستباحاً من محورٍ همجيّ نشر الدمار في عواصم العرب التي سيطر عليها.

أمّا أولئك الذين تسرّعوا ويتسرّعون عادة للدعوة إلى اعتماد العدِّ على أساس ضيق الصدر من عدم صرف الغلبة العددية في السياسة، تحت شعارات ملتوية، فنقول لهم: إنّ إسقاط المسيحيين من واجهة لبنان ووجهه يعني تلقائياً إسقاط لبنان في غياهب جـُبِّ التخلّف الديكتاتوريّ وانتهاء التنوّع الحضاريّ بشكل كامل.

بهاء الحريري يصدّ استهداف الوجود المسيحي

من هنا تأتي أهمّية الموقف الذي أطلقه الشيخ بهاء رفيق الحريري عندما قال إنّه “لا يمكن الوقوف عند عدد المسيحيين في لبنان والتكهن بنسب مئوية غير أخلاقية وطنياً لتعدادهم فهم ثروة وطنية وعماد وركيزة هذا الوطن الذي لا يمكن أن يُبنى بدونهم وهو لا يكتمل إلا بوجودهم وبقائهم.. وقف العد منذ سنوات والمناصفة هي العنوان الأبرز لبناء وحماية مستقبل لبنان”.

إيقاف العدّ هو المعادلة الذهبية التي أرساها الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومعها سلك اتفاق الطائف والدستور مندرجاته وشكّلت أساس الاطمئنان والاستقرار إلى المصير للكيان في العصر الحديث، وكلّ من يستهدف هذه المعادلة، مباشرة أو مداورة، كما فعل ميقاتي، إنّما هو صانع توابيت يدقّ المسامير في نعش الوطن.

موقف الشيخ بهاء رفيق الحريري في المضمون والتوقيت هو إحياء واستمرارية لموقف الرئيس الشهيد، وهو رسالة إلى الشركاء في الوطن خلاصتها أنّ الشراكة معهم باقية ولن تسقط ما دام في لبنان رجال دولة يواجهون مشاريع الفتن والمثالثة والنصب السياسي لمحترفي الوثوب إلى المناصب في غفلات الزمن!

ثبات بهاء الحريري على إيقاف العدّ ليس فقط تكريساً لموقف والده الشهيد، بل هو إضاءة لطبيعة المرحلة المقبلة وما ستحمله من تحديات وما ستأتي به من حصائد الصراع الدائر الآن، وهو العامل في عمق مواقع القرار العربي والدوليّ لإخراج لبنان من غياهب كهوف الظلام التي رماه فيها مجرمو المنظومة المتسلحون بالفساد والإرهاب.

في توجهات بهاء ابن رفيق الحريري، ليس هناك مكان لطغيان السلاح ولا لحلف الأقليّات ولا لتسلّط فئة على الأخرى، وصولاً إلى دولة وطنية تمتاز بشراكة أبنائها وببأن تكون نموذجاً حيّاً للتلاقي الإنساني على الخير العام، وعلى إبراز عناصر التعاون في السرّاء والضرّاء في حماية الإنسان وإنقاذه من كلّ ما يستهدف كرامته الإنسانية.

شاركها.