
أحمد الأيوبي
إلى الشهيد السعيد الحبيب
أحمد شعيب الرفاعي
في محرابِ الصلاة عليك
نخالُ أنّ الصبر الاصطبار والتصبّر وكلّ مشتقاتها غير كافية لتسكين آلام وأوجاع هذا الفراق أيها الحبيب.. وأنّ كلّ حروف جميع اللغات وكلّ سواقي الدموع لا تكفي لردم هـُوّةٍ رمَوكَ بها وهم يعلمون ما يفعلون..
لكنّنا نعود إلى قرآننا وسنّة نبيّنا عليه الصلاة والسلام ولا نقول إلاّ ما يُرضي ربنا ونحسبك عنده شهيداً سعيداً بعد أن أذاقك طاغية القرقف وعكار كلّ أنواع العذاب..
حاولتُ كثيراً أن أتجلّد وأستقوي بهذا الصبر حتى لا أغرق في دوّامة الندم على تقصيرنا بحقّك وعلى أنّنا لم نفعل كلّ ما نستطيع لنصرتك، رغم أنّنا خضنا محطات كثيرة معاً من واقعة إعادتك إلى أرض الوطن رغم الوثائق المضلِّلة.. لكن كما قلتَ أنت إن هناك الكثير لنفعله في خدمة أهلنا.. أو هكذا كنّا نرجو…
حاولتُ كثيراً أن أُبعد عن قلبي مرارة التفكير بما فعله بك أولئك السفاحون.. حاولتُ أن أطرد من رأسي لحظاتك الأخيرة المرعبة.. المليئة بآلام أهل الأخدود.. فالسفاحون قد أصلَوكَ ناراً وعذّبوك على مشارف حفرة الإعدام، وقيّدوك ومزّقوا صِلاتِ الرّحم بخناجر غدرهم المسمومة.. ثمّ راحوا يستعدون للمشي في جنازتك..
لقد استحضروا وحشيّتهم المكتسبة من كلّ مشارب الطغيان السياسي والأمني التي غذّتهم، فصبّوا عليك كلّ أنواع العذاب وسكبوا أحقادهم فوق تراب الأخدود..
أيّها الحبيب..
لم أستطع ولن أستطيع أن أُذهب عني لحظاتك الأخيرة.. وكيف قيّدوك وأوقفوك على شفا أخدود إيمانك العظيم.. وهم ينظرون في عينيك الصافيتين صفاء قلبك، ويطلقون عبارات الحقد الأسود قبل الرصاص، ثم يدفعونك إلى بطن الأرض حيّاً ويقتلوك وأنت تهبط نحو السماء!
وعند حدود الحفرة.. حضَرَتْ في الوعي هنا مشاهد مجزرة حيّ التضامن في دمشق ببشاعتها ووحشيتها، فمدرسة الإجرام واحدة المشارب والمآرب، وكأنّها رسالة وشيفرة تتوالى بين عوالم التوحّش والإجرام..
عندما قتلَ قابيلُ هابيلَ ندم وقال يا وليتاه، لكنّ قاتليك أخذتهم العِزَّةُ بالإثم فسلكوا للطغيان كلّ مسلك، وأثاروا كيدهم وبذلوا عقولهم الشيطانية حتى تمرّ جريمتهم بدون عقاب ليواصلوا إجرامهم، وكأنّ زلزلة الأرض التي عمّت الدنيا لم تمرَّ عليهم ولم تؤثِّر بهم، بل زادتهم طغياناً على طغيان..

أيّها الحبيب والأخ والصديق..
قضيتَ نحبك وأنت تنتظر بإيمانك الراسخ وإبائك الشامخ الوعدّ الحقّ للمؤمنين الصادقين، وأنت تجاهد من أجل عدالةٍ لم تصل إليها في الدنيا وأنت الذي كنتَ من أهل الدين والسيادة والدولة والناقض لعرى الظلم.. فحملتَ حقّك المهدور من قضاة الأرض إلى قاضي الأرض والسماء..
أيها العزيز الغالي..
ها أنتَ تمضي وتتركنا وحيدين يلفّنا حزنٌ مقيم وها نحن نقدِّم بين يديكَ الرّثاء.. لكنّنا لا نجدُ العزاء.. فلا عزاء إلاّ عندما تلتقي الخصوم عند ربّ الأرض والسماء!!
