الشيخ الدكتور حسان محيي الدين
وضع الإسلام قواعد في معاملة الأعداء ومصيرهم، قواعد من أرقى الأنظمة الإنسانية، وخاصة إذا قيست بالعصر الذي وضعت فيه، فقد شُرِّع القتال في الإسلام، دفاعاً عن النفس، وردعاً للعدوان والباطل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي صحابته القادة بقوله(( إنطلقوا بإسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأةً، ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين))
ومن القاعدة الشرعية الأساسية التي تسمح بقتال الأعداء المحاربين القادرين على القتال، يستنتج بدلالة قياس العكس، أن الأعداء غير المحاربين الذين لا يشتركون في القتال ولا يقدرون على ذلك، يتمتعون بحماية خاصة ويُستثنَون من الأعمال العدائية، فلذا لا يحل قتلهم ولا مهاجمتهم ولا التعرض لهم بأي وجه آخر.
ورأى أكثر الفقهاء أنه لا يُقتَل : الصغير، والنساء، والشيوخ، والعجزة، والرهبان، وأضاف غيرهم، التجار، والزرّاع، ويلحق بهؤلاء الكبار والعجزة لعلة الضعف كالصغار والنساء، ومنهم من منع قتال، المجنون والمعتوه والأعمى والمقعد والمفلوج ومقطوع اليدين أو الرجلين، حتى ولو كان معادياً حاقداً
للعلل التي أصابته.
وحض الإسلام على تأمين رجال الدين في الديانات الأخرى كالرهبان سكان الصوامع والأديرة ممن لا يخالطون الناس وينقطعون للتأمل والعبادة، وهذا برهان جلي على حرية العقيدة في الإسلام، وعلى تحريم الإكراه في الدين، وإفحام المرجفين الذين يزعمون أن الإسلام انتشر بالسيف، ومضايقة سائر الأديان واضطهاد غير المسلمين، وها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوصي القائد يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه حين وجهه إلى الشام ( إنك ستلقى أقواماً زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع، فذرهم وما فرغوا أنفسهم له)، فهذا التصرف ينسجم مع آداب الآية الكريمة ((… ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا))
لا ريب أن في الحصانة التي يتمتع بها من ذكرنا من الأشخاص المحميين ويشترط فيها أن يكون هؤلاء غير محاربين بالفعل، وألا يقدروا على القتال أو يحرضوا عليه، كما أن الغدر والتمثيل محرمان في حروب الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم (لاتقتلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا)، ومن آداب الحروب في الإسلام، منع التعذيب والتنكيل والحرق والعقوبات الجماعية (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ويبقى أن نقول، أن الأصل، أن كل من كان من أهل القتال يحل قتله سواء قاتل أو لم يقاتل، وكل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو حض بالرأي والتحريض وأشباه ذلك.
الشريعة الإسلامية توصي بالمعاملة بالحسنى والرحمة قدر الإمكان، وللعلم أن القانون الدولي قد تأسى بها معترفاً أن سماحةالإسلام تقدمت عليه منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، وقديماً جاء في المثل القانوني اليوناني (إن الشرائع تصمت بين الأسلحة)، لكن إسلامنا يوصي بأن تطبق وصاياه وشرائعه في حال السلم والحرب والرضى والغضب، أخيراً، أين هذه السماحة والعظمة في التشريع الإسلامي مما يقوم به أعداء العرب والمسلمين اليوم في حروبهم الآثمة وإمعانهم في قتل النساء والأطفال والرضع والمرضى، وتخريب المساجد والإعتداء على العزّل الآمنين….
